المكتبة الوطنية

01 كانون الأول 2020 09:32:51

في الثامن من كانون الأول 1921، بادر الكونت فيليب دي طرزي، لإنشاء نواة مكتبة ثقافية، أسماها، المكتبة الوطنية ببيروت، بإيداعها ما يملك من كتب ثمينة، خشي عليها الضياع. وتم إختيار المبنى بجوار البلدية، في الوسط التجاري، على مقربة من ساحة النجمة ومبنى البرلمان، ليكون مكتبة عامة.

أتت هذه المبادرة بعد عام على تأسيس دولة لبنان الكبير على يد الجنرال غورو. على أن تكون مدينة بيروت هي عاصمة لبنان الكبير.

لاقى هذا التأسيس الثقافي في المكتبة الوطنية، صدى إيجابيا. وتشجّع أصحاب المكتبات العريقة والمراكز الثقافية في الدول الغربية وفي الدول العربية، لردف المكتبة الوطنية، بالكتب والموسوعات والمخطوطات واللوحات والآثار الثقافية. وهذا ما جعل الحكومة اللبنانية الناشئة، أن تبادر لإستصدار قانون الإيداعات والمحفوظات في المكتبة الوطنية.

كان تأسيس المكتبة الوطنية عملا رائدا. فسرعان ما عظمت، بما زخرت به من المخطوط والمطبوع. وشكّلت مرجعا ثقافيا للباحثين والكتّاب والمتنوّرين. تماما كما شكّلت ذاكرة منيرة للبنان ولمدينة بيروت. فإستقطبت أساتذة الجامعات والشعراء والتراثيين والمجددين، وجميع رواد الثقافة والعلم.

وظلت المكتبة الوطنية، قبلة اللبنانيين والعرب والأجانب، حتى وقعت الحرب الأهلية في نيسان العام 1975. وتراجع الناس عن زيارتها، لوقوعها على خطوط التماس. وتعرّضت للسرقة والنهب، وتأذّت بأعمال الحرب. فإرتأى القيّمون نقلها إلى مبنى الأونيسكو، بإذن من وزارة الثقافة.

ولم تسلم المكتبة الوطنية في مكان إقامتها الجديد، من الأذى والتعدّي عليها، والطمع بمخزوناتها من الإرث الثمين. فوقعت أيضا في حبائل السرقات وأعمال اللصوص والناهبين.

وفي العام 2019 ، تم نقل المكتبة الوطنية، إلى مبنى كلية الحقوق في الصنائع، بعد أن تم تجديد البناء وتحضيره وتجهيزه وتحديثه، بـ «هبة من الإتحاد الأوروبي، ودولة قطر». فجاء إفتتاحها بارقة أمل بنهوض لبنان من آثار الحرب عليه، وبخلاص المكتبة الوطنية من سنوات الأذى والإهمال، بين المبنى البلدي في الوسط التجاري، ومبنى الأونيسكو في المزرعة.

ومنذ 17 تشرين الأول العام 2019، أي بعد أشهر على إفتتاحها، أغلقت المكتبة الوطنية أبوابها، خلافا لكل مقار الدولة ومنشآتها. وهجرها الموظفون والعمال. وتخلّى الرعاة عن رعايتها. وتخلّت الدولة عن تقديم الخدمات لها. وصارت تنزوي شيئا فشيئا، وتتساقط ورقة ورقة. وتحوّلت حديقتها الأمامية، إلى حديقة غشيمة يابسة. أحرقتها الشمس، وجفّ عنها الماء، وصارت جوانبها وجدرانها وأسيجتها مرمى لنفايات العابرين بها.

تعرّضت جميع الغرائس الجديدة في الحديقة الوطنية، لليباس، فغادرتها أسراب الطير من حمام ويمام وعصافير الدوري، ونفقت أقفاص الجنينة من الحساسين والطيور الملونة. وتمّت سرقتها والإعتداء عليها.

المكتبة الوطنية في بيروت اليوم، بعد عام على إفتتاحها، غرقت بدموع الكتب من الداخل، تماما كما بدت غريقة دموع العابرين بها. فما تنفع المنشآت، إذا كانت بلا رعاية دائمة، وبلا صيانه دائمة؟!

في الرابع من كانون الأول العام 2018، حضرت حفل إفتتاحها الرسمي، وتألّقت مع المتألّقين في أبهائها وفي أفنيتها وفي ممراتها، وفي ردهاتها، وفي أقسام حديقتها الأمامية المطلّة على حديقة الصنائع، وفي أقسام حديقتها الخلفية المطلّة على مصرف لبنان. كانت حقا، في أبهى حللها. تتوشح بالألوان، وبالأغصان وبالعمدان، وبالزائرين من فتيات وفتيان.

وأما اليوم، فأقف عليها، لأجفف الدموع عن قضبان سورها الروماني القديم.

أزمة لبنان، كأزمة المكتبة الوطنية، بلا رعاية ولا صيانة ولا قيّمين مؤتمنين.

أزمة لبنان، كأزمة المباني الجامعية القديمة والجديدة، كأزمة المدارس الرسمية والثانويات، بلا رعاية ولا صيانة ولا قيّمين مؤتمنين.

أزمة لبنان مثل أزمة قصور العدل، مثل المخافر، ومثل الثكنات ومثل منشآت النفط والكهرباء. ومثل مباني السجون، ومثل مباني الوزارات.

انظروا اليوم إلى وزارة السياحة، فهي وحدها كافية، لإشعار العالم، بعمق الأزمة اللبنانية، وعمق الفجيعة التي تضرب لبنان منذ أعوام.

المكتبة الوطنية الشهيدة الحيّة لثورة 17 تشرين الأول من العام 2019. تختصر موت كل المباني الحكومية من أمثالها. من المجلس النيابي، إلى القصر الحكومي، إلى دار البلدية، والأسواق والمرفأ الشهيد.

اللبنانيون جميعا، صاروا شهداء في هذا العهد. صاروا شهداء هذا التخلي. صاروا شهداء القيّمين. بلا أمانة ولا رعاية، ولا صيانة. فلا قوت، ولا بيروت. ولا حتى ذاكرة الكونت فيليب دي طرزي، ولا دور المكتبة الوطنية المفقود.