هكذا سنغلق أبواب الفتنة!

وهيب فياض |

أما وقد فتحت أبواب زرع الفتنة بين الدروز على مصراعيها من أزلام وأبواق سوريا في لبنان. 

وأما وقد رد وليد جنبلاط، بكل دقة، وبكل موضوعية، وبترفعه المعهود، وحرصه الشديد، على عدم إتاحة الفرصة لذرّ قرن الفتنة والشقاق، صار واجباً ولزاماً إيضاح بعض الحقائق التاريخية والسياسية التي تحكم تصرفات أصحاب القرار في سوريا، تجاه لبنان الكيان وتجاه الدروز عامة، ودروز لبنان خاصة، وتجاه سيد قصر المختارة، سواء أكان اسمه وليد جنبلاط أو تيمور جنبلاط. 

إن الخطوط الحمر التي تحكم علاقة المختارة والحزب التقدمي الاشتراكي مع النظام السوري، تتمثل في أمرين أساسيين لا تهاون فيهما :

الخط الأول: هو احترام حكام دمشق للتوازنات الدقيقة في لبنان، سواء بين مكوناته، أو داخل كل مكون منها، وعدم المساس بما يغلّب الجغرافيا على التاريخ. 

والأمر الثاني: هو عدم المساس بهامش حرية القرار اللبناني الوطني المستقل، الذي تقاس معاييره بميزان القوى الداخلية، حتى ولو كان حاكم دمشق منحازاً إلى قوة أو مجموعة من القوى الداخلية بحيث يستطيع أن يرجح كفتها، بشرط عدم تمكينها من الوصول إلى إلغاء الآخرين، والجنوح إلى فرض الهيمنة الكاملة، وربما إلحاق الكيان اللبناني بسوريا تمهيداً لإلغائه وشطبه من المعادلة الدولية، ليصبح إما فعلياً وإما قانونياً ودستورياً محافظة من محافظات سوريا. 

هكذا كانت دوماً ثوابت المختارة لتجنب الاشتباك بين سوريا ولبنان، وبين سيد المختارة وحاكم دمشق أياً كان. 

ولمن يتذكر ممن عايشوا مرحلة الوجود السوري في لبنان، ولمن يريد أن يعرف من اللبنانيين الذين لم يعاصروا تلك الفترة، نقول إن علاقة وليد جنبلاط، بسوريا لم تكن يوماً علاقة تابع بمتبوع بل علاقة حليف بحليف، والأحلاف وإن كانت تولد على خلفية الاتفاق في الأهداف المرحلية، إلا أنها تموت أيضاً عندما يحاول أحد طرفيها الهيمنة على القرار. 

لقد عانى حلف المختارة مع دمشق، وبمعزل عن جريمة اغتيال المعلم الشهيد، من تشققات وثقوب سوداء، كادت تبتلع كل الأهداف المشتركة، وتبقي شعار النظام في سوريا شكلاً بلا مضمون، ومع ذلك حافظ وليد جنبلاط على الحلف بأهداب العيون، وفاء لكل ما قدمه الجيش العربي السوري للوطنيين في لبنان. 

لقد تجاوز وليد جنبلاط حرب المخيمات وذبح الفلسطينيين، ومصادرة القرار الوطني، وممارسة الهيمنة حتى أصبح السياسيون اللبنانيون كما قال مرة (برغش)، كما تجاوز كل الظلم الذي لحق به، وكل المؤامرات التي حاكها ممثلو النظام السوري في لبنان آنذاك ضده. 

لقد كان واضحاً أن تحالف وليد جنبلاط مع النظام السوري، ومنذ منتصف الثمانينات، يتعرض لاهتزازات، لا بد أن تطيح به يوماً، وحاول وليد جنبلاط بشتى الوسائل والطرق، أن يمنع هذا الانهيار، وفاء لما سلف من حسن العلاقة، ومن أجل مصلحة لبنان، إلى أن بلغ السيل الزبى، إبان عهد أميل لحود وتمديده القسري الملطخ بدم من طالهم مسلسل الاغتيالات الذي كان مروان حمادة حلقته الأولى، واغتيال الرئيس الحريري طامته الكبرى. 

نعم إن من يقوم بكل ما قام به النظام وأتباعه في لبنان، لا بد أن تكون نتيجته الطبيعية فك الارتباط بين الحليفين السابقين، فإذا كان النظام يأكل لحم أبنائه نيئاً فما بالك بلحم حلفائه. 

أن تكون حليفاً لسوريا في زمن الحفاظ على عروبة لبنان بدماء الشهداء شيء، وأن لا يبقى من شعارات النظام، إلا تطويع كل من يرفض أن يكون أداة لنظام ظالم ومجرم، شيء آخر. 

دمشق بتاريخها، وثقافتها، وعروبتها، وعراقتها، ظهير لبنان وسنده ومنفذه إلى رحاب العروبة المنفتحة. 

أما دمشق المتوجة بإكليل الشوك، المصلوبة على أخشاب الإجرام والبطش، فهي رهينة لا بد للأيام أن تفك أسرها. 
دمشق ذَر قرن الفتنة ليست دمشقنا، ولكن دمشقنا الحقيقية لا زالت حية في قلوب وعقول الأحرار. 

فلتحاول دمشق قدر ما تستطيع، أن تفتعل الفتن وأن تهدد وترعد وترغي وتزبد، فان للباطل جولة، وللحق ألف جولة، ومن يعش ير 
نحنُّ إلى دمشق كما نراها 
وليس كما يراها الحاقدون 
ونزرع دربها ورداً إذا ما 
صفا بردى وأزهر قاسيون.