أشلاء وطن

30 تشرين الثاني 2020 14:29:58

ببساطة، لقد مرّ عيد الاستقلال على هذه البلاد هذه السنة، كما يجب أن يمر، أو كما يحق لنا دولةً وشعباً الاحتفاء والاحتفال به: بلا استعراضات مزيّفة، ولا خطابات بطولية، ولا نثر للأمجاد، ولا حتى مسح للغبار عن النشيد الوطني، وبلا عروض مسرحية وطنية مستوحاة من مسرحية الاستقلال الكبرى من راشيا إلى بشامون، على خشبة مسرح موزاييك الطوائف.

 إلّا أن حدث فرار المساجين من نظارة بعبدا عشية الذكرى، جاء ليضفي على المشهد الشاحب الحزين، القليل من الإثارة، وليعطي صورة عن واقع الدولة بعد عقود على الاستقلال، وليطرح السؤال إن كان هؤلاء الفارين يعلمون أن من يخرج من السجن- في بلد بهذا المستوى من الانهيار والاندحار والاندثار- سيلقانا جميعاً سجناء في سجنٍ كبير يسمى زوراً بالوطن، ننتظر أمام جدرانه القاتمة المتعفنة لحظة تخاذل من حراس العاطفة، أو الأمل، أو الضمير، أو الصمود، أو الحنين، أو الارتباط، لنقفز فوق جدران التعلّق ونهرب بعيداً إلى أية وجهةٍ تستقبلنا، وتسمى اللّا- وطن، لنهرب إلى سجنٍ آخر يسمى الغربة، سجن مجهز ومتطوّر وأنيق، تُراعى فيه كل شرائع حقوق الإنسان المتعلقة بنزلاء السجون، حيث نقف خلف جدرانه المزركشة النظيفة ننتظر لحظة تخاذل من حراس الواقعية، والمنطق، والمرونة النفسية، والصمود العاطفي، لنقفز خلف جدران الحنين، ونعود إلى أشلاء وطن.

نعم، سجناء نحن. ومَن تخذلهم أوطانهم يتحوّلون إلى جماعةٍ من الهاربين، مِن الخارجين عن قانون الاستقرار مِنَ المطلوبين من أجهزة الأحلام والآمال، ومِنَ الساقطين من حقوق الانتماء والهوية.

مَن تخذلهم أوطانهم يتحوّلون إلى أشباحٍ متنقلة من سجن التراب الأغلى من الذهب، إلى سجن الذهب الخالي من الجذور المتعمّقة في التراب.

من تخذلهم أوطانهم المرمية في بؤس القدر فوق فوهات براكين من التخلّف،  بلادهم لا قيمة حقيقية لها، وتُغتصب كل صباح تحت مسمّياتٍ عديدة، أو أرقامٍ خارج بلادهم يمنعها الحنين والتعلّق، وتمنعها روح القبيلة من جهة، والمضيف الاستهلاكي المادي المبرمج من جهة أخرى، من الانتقال إلى رتبة المواطنين في الوطن الكبير المسمى الإنسانية. 

من تخذلهم أوطانهم، تحلّ عليهم لعنة التاريخ، لأنهم هم، وفي مكانٍ ما، يكونون قد خذلوا أنفسهم وأوطانهم، وزرعوا ريح اللّا- مبالاة، والصمت، والتخاذل، والتعصّب، والحقد، والخوف، فحصدوا عواصف الضياع والفرار من سجنٍ إلى آخر. 

يمرّ الاستقلال هذا العام، وكل واحدٍ منا يرتّب خطة الفرار من سجن الاستعمار الكبير الذي  يمارسه علينا هذا الوطن.

 
هذه الصفحة مخصّصة لنشر الآراء والمقالات الواردة إلى جريدة "الأنبـاء".