الصين تبني مجتمع المستقبل المشترك للبشرية

13 تشرين الثاني 2020 23:50:00 - آخر تحديث: 21 تشرين الثاني 2020 23:06:54

ولأن الصين تعتمد الأخلاق رفضت عبر التاريخ مسألة إنشاء الأحلاف العسكرية والانخراط فيها، كونها تحمل عقلية الحرب الباردة، وتعزّز احتمالية حدوث التوترات والحروب، وهي تُفضّل في المقابل التركيز على بناء شبكةٍ واسعة من الشراكات الاستراتيجية معتمدةً في ذلك على قوّتها الاقتصادية المتنامية، حيث وقّعّت الصين رسمياً بحلول شهر يوليو 2019، شراكات استراتيجية مع 110 من اادول والمنظمات الإقليمية. وهذه المقاربة تساعد الصين على خلق بيئة تعاونية متعدّدة الأقطاب مؤاتيةٍ لها، ومعادية لنزعة الهيمنة الأميركية. فمن خلال آلية الشراكة الاستراتيجية، بدلاً من الأحلاف، توصل الصين رسالةً للعالم مفادها أنّ العلاقات ما بين الدول لا ينبغي أن تتأتّر بالاختلافات في القيَم، أو المؤسّسات، أو شكل الحكومات، أو النظم الاجتماعية حيث يُسمح لكل دولةٍ أن تُحدّد مسارها التنموي ونظامها الاجتماعي والسياسي الخاص بها بعيداً عن أي تدخّل خارجي. 

أما بخصوص التنافس الصيني-الأميركي، فالمعطيات لا تؤشّر على سيناريو الحرب الباردة بينهما على الطريقة الأميركية - السوفياتية. فشروط الحرب الباردة غائبةٌ في حالة الصين والولايات المتحدة، حيث لا تدور الاختلافات القائمة بينهما حول قضايا إيديولوجية. ويُعتبر وجود الأسلحة النووية لدى الطرفين عاملاً مساعداً على (عدم) وقوع الصراع العسكري بينهما، كما وأن العولمة عاملٌ مهمٌ يضمن عدم تعرّض الصين، أو الولايات المتحدة، لفقدان المواد الخام أو الأسواق.

وتُشجّع الإنترنت وأجهزة الكمبيوتر الابتكارات التكنولوجية، وتنقل التنافس إلى الفضاء السيبراني لدرجة لا تمتلك معها أيُّ من الدولتين حوافز لغزو أراضي الأخرى، حيث أن القوّتين تتفاعلان اليوم على نحو مكثّفٍ، وعلى نطاقٍ أوسع مقارنةً بحالة الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، وهو ما يوفّر حوافز إيجابية لإرساء علاقاتٍ جيّدة وبناء الثقة بين الجانبين، كما يُعزّز التشابك الاقتصادي بينهما ذلك، ويجعل من الحرب العسكرية وفك الارتباط أمراً لا - عقلانياً مُكلفاً ومضراً بهما وبالعالم أجمع. لذلك فإن وجود حربٍ باردةٍ جديدةٍ بين القوّتين ستكون ساحتها الرئيسية هي التنافس حول المكانة التي يحدّدها المجال الاقتصادي والابتكار التكنولوجي بدلاً من القوة العسكرية. لذا يجب على البلدين نزع صفة الأمن عن الابتكارات التكنولوجية، وعدم عسكرتها نظراً لما للأخيرة من استخدام مزدوج قد يدفع للصدام.

هذا المسار لم يأتِ من فراغ إنّما من إيديولوجيا على قاعدة أن القيادة الداخلية الصينية تتمتع بالصفات الكافية لتصنع مكانة القوى العظمى، وأنّ "جودة القيادة المحليّة" تجعلها تتفوّق على الولايات المتحدة الأميركية. ويأتي تركيز الصين على جودة القيادة ليؤكّد أهميّة الاختيار البشري، وقدرة القادة على تشكيل فرص السلام أو الحرب، بالإضافة إلى تمتّعها بقيادةٍ نشطةٍ مُبادِرة. وهذا النمط يهدف إلى تحسين وضع الدولة من خلال الوسائل السياسية، وعبر إجراء إصلاحات محليّة تزيد من قوّتها؛ و هذا تمثل في عدة قرارات قيادية شكلت مشروع "حلم الإحياء العظيم للأمة الصينية" الذي أعلن عنه الرئيس تشي جي بينغ سنة 2012.

وهذا ما يجعل من إصرار الصين على الانفتاح بكافة أوجهه الإيديولوجية والاجتماعية والاقتصادية، مهمةً إلزامية لدى القيادة بذهنيّتها الفتيّة ونشاطها الواسع من أجل تعزيز مكانتها الدولية، وتوسيع دائرة الشركاء المؤيّدِينَ لها؛ وهي تجهد لتوفير الدعم اللازم ومقومات الحماية لهم، وأنّ ما تفعله الصين بمواقفها في المنظّمات الدولية عبر دعم القرارات التي تحافظ على حقوق الشعوب وتحميها، بالإضافة إلى رفض القرارات التي تعزّز هيمنة القوى العظمى على الدول والشعوب، وكذلك رفضها المطلق لأي عقوبات أو تصرفات أحادية الجانب، وما يسمى بالولاية القضائية طويلة الذراع التي تتبناها الولايات المتحدة الأميركية. كما أنّ الصين من جهةٍ أخرى قد أنشأت مؤسّسات إقليمية ودولية على غرار إنشاء بنك الاستثمار الآسيوي للبنية التحتية، ومنظمة شنغهاي للتعاون، لتكوّن آلية ذكية لا تستوجب الامتثال المطلق للمعايير الدولية السائدة (التي أرساها الغرب)، وبهذا تُحافظ الصين على الصفة الأخلاقية لقيادة الصين، ولا تُظهرها بأنّها قوة صاعدةٌ تريد في المقابل قلب النظام القائم.

(الجزء الثاني والأخير)

*رئيس مركز الشرق الأوسط للدراسات و التنمية