قمح المساعدات

06 تشرين الثاني 2020 14:53:41

أخيراً، نَعِمَت الجرذان باحتياطي عظيم لها من القمح. بكت وهشلت من المرفأ حين طارت الأهراءات في عنان السماء.

وقفت أعمدة الأهراءات شاهدةً شامخةً على جريمة العصر: تفجير العنابر والأهراءات، لمحو جرائم السرقات طيلة الدهر.

 تعلّم اللبنانيون دروساً عظيمة من تاريخ الجريمة المنظّمة. يعيشون على جريمةٍ لعقود وعقود، ثم يفيقون فجأةً على دويٍ عظيم إيذاناً بتفجيرها، لعدم مناسبتها العصر.
 
 أعظم وأخطر من جريمة تفجير الجريمة. إيلاد جريمة جديدة من رحم الجريمتين السابقتين: تخزين قمح المساعدات العراقية وغير العراقية، في "سوق الحرامية".
 فجأةً تحولت المدينة الرياضية إلى "سوق الحرامية" التي كانت تعيش في ضواحي المدن، وعلى أبوابها، وفي مداخل شعابها.

 ها هي اليوم يراها اللبنانيون بأم أعينهم تعشّش في أعظم صرحٍ رياضي. ها هم يرونها مخبأة مموهة معشّشة في مدينة كميل شمعون الرياضية.

 سبقها الجرذان إلى هناك. جعلت لنفسها مسارب، وأنفاقاً سرية، وبوابات دهرية، من عصر كميل شمعون. 

 لم يخطر على بال الرئيس أنه يخاطر ببناء صرحٍ رياضيٍ للجراذين، ولحرامية العصر الجديد. كان همّه أن يرى جيلاً يجدّد لبنان، ويرفع بيرقه بين أندية العالم وملاعبها. كان همّه أن يرى جيلاً جديداً يستلم كأس العالم من شاهق.

 مات الرئيس كميل شمعون. وماتت مدينته الرياضية. وحفرت الجراذين قواعدها، وجدرانها، ومدرّجاتها. قوّضتها من داخلها. ثم جاءت أرتالها تحمل أكياس الطحين على ظهرها. تحمل قمح المساعدات حبة حبة، وتجعلها في أوكارها.

 الجراذين نوع من الجرذ التي تقرض الحديد. نوع من الجرذ التي تقرض الصخر في القواعد، وتنحت العمدان.

 جرذ المرفأ هم هم، أنفسهم. سارعوا وخبأوا أكياس الطحين، وأكياس القمح، وأكياس المساعدات تحت المدرجات، وخلف العمدان،  ووراء الستارات، وفي الممرّات. وفي ردهات وباحات المدينة الرياضية.

جرذان المرفأ، خرجوا بأرتالهم من مخابئهم السرية، إلى مخابئهم السرية، يقرضون قوت الشعب. يهدمون بيوت الشعب. يخربون الممتلكات، ويفجّرون الأهراءات، ويغادرون إلى عملهم المستجد، بزيّهم الرسمي. يغادرون وعلى ظهورهم قمح المساعدات إلى المدينة الرياضية، رصداً لتفجيرٍ جديد.

 جرذان المدينة الرياضية، هم من نسل جرذان المرفأ. أبناء كارٍ واحد. قرضُ الأساسيات. وقرضُ المساعدات. وتحضير الاضطرابات. والبناء على الفتن. 
 ثم ينشدون بعدها: كلّنا للوطن.


(*) أستاذ في الجامعة اللبنانية

 
هذه الصفحة مخصّصة لنشر الآراء والمقالات الواردة إلى جريدة "الأنبـاء".