حالة تضامن عربي جديدة

06 تشرين الثاني 2020 07:24:26

شكّل الاجتماع الذي عُقد في عمّان نهاية أغسطس/ آب الماضي، بين الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، ورئيس وزراء العراق مصطفى الكاظمي، باستضافة الملك الأردني عبدالله الثاني؛ محطة سياسية استراتيجية بارزة، وانطلقت منه ماكينة سياسية واقتصادية فاعلة تبشر بولادة نواة حلف سياسي واقتصادي قابل للتوسع، مؤهل لاستعادة بعض من الخسائر التي مُني بها الحضور العربي في منطقة أساسية كادت أن تضيع بين أيدي الطامعين في توسيع نفوذهم الإقليمي، واستعادة أمجادهم الغابرة، وبين الغاصبين للأرض والقوى الدولية الكبرى التي تتصارع على المنطقة العربية.

 ومنذ 25 أغسطس / آب الماضي والحراك بين قادة الدول الثلاث مستمراً، وقد تكررت الزيارات المتبادلة بين المسؤولين في هذه الدول، بحيث تم افتتاح مقر خاص لـ«مشروع الشام الجديد» في عمان، مع أمانة تنفيذية مهمتها متابعة مراحل تطبيق ما تمّ الاتفاق عليه. 

 وقد كان لزيارة رئيس وزراء مصر مصطفى مدبولي، الى بغداد في نهاية شهر أكتوبر/ تشرين الأول، أهمية خاصة في سياق ترسيخ التفاهمات، بحيث وقّع مع نظيره العراقي مصطفى، الكاظمي 15 اتفاقية تتعلق بالملفات الصحية، والمالية، والمائية، والنفطية، والكهربائية، وبقواعد التنسيق في المجالات الصناعية والتجارية والإسكانية والاستثمار، وفي السياقات الأمنية والعدلية وتبادل المتهمين.

 وعلى عكس ما كان عليه الوضع في عام 1989؛ يعتبر الحلف الجديد بين دول الهلال العربي الذي يمتد من وادي النيل جنوباً، حتى مشارف الهضاب الإيرانية في الشرق؛ حالة سياسية تحدّ من الانفلاش الإيراني، والتركي، على حساب الحضور العربي في المنطقة، ، وليس له أي مفاعيل تنافسية على الساحة العربية، لا في مواجهة مجلس التعاون الخليجي، ولا رداً على إنشاء اتحاد المغرب العربي. وتعتبر العلاقة القائمة حالياً بين الدول الثلاث ومجلس التعاون مثالية، كما أن الدور المصري الجامع؛ محل ترحيب في الدول الخليجية، وفي دول المغرب العربي على السواء.

 الفراغ الاستراتيجي العربي الذي تراكم منذ خطيئة غزوة الكويت عام 1990؛ أنهك الأمة بمجملها، وجعلها فريسة أطماع خارجية، وتعاملت دول الجوار مع هذا الفراغ بصلف سياسي، وعقائدي، لم يراعِ أياً من الاعتبارات الحضارية والقومية في الدول العربية، وعملت هذه الدول على تأسيس جماعات مرتبطة بها، تحت شعارات دينية، ومذهبية واهية، تحوّلت فيما بعد إلى أدوات للفتنة الداخلية، كما حصل في العراق، واليمن، ولبنان، وسوريا، على سبيل المثال. وهذا الجنوح للدول الإقليمية المجاورة؛ وفر بُنية تحتية للمنظمات الإرهابية التخريبية التي استغلّت الدين الحنيف عن غير وجه حق، لتنفيذ أجندة تدميرية تخدم مشاريع الانفلاش الإقليمية التي تستند إلى إحداث الفوضى الهدامة.

 وفي اتفاق التعاون الشامي الجديد مجموعة كبيرة من النقاط المهمة، وهي إذا ما سلكت طريقها نحو التنفيذ؛ ستُحدث فرقاً سياسياً، واقتصادياً، كبيراً، وستكون لها آثار أمنية مهمة، على اعتبار أن جغرافيا الدول الثلاث تُشكل شريطاً مهماً لوقاية منطقة الخليج من الاستهدافات ذات المنشأ الشمالي، والشرقي، وسيكون للاتفاق بعد مؤثر في الوضع المتهالك في سوريا، وفي لبنان، لأن الغياب العربي استهلك أغلبية عناصر القوة والمناعة لدى البلدين الجارين، وتركهما فريسة للاستبداد الداخلي، وللجنوح الإقليمي.

 ومن الرؤى التي تتطلع إليها الدول العربية الثلاث؛ توفير ربط كهربائي يستفيد منه الأردن، والعراق، على وجه التحديد، لكون التجربة المصرية الرائدة في السنوات الأخيرة – خاصة بعد اكتشاف الغاز الطبيعي في البلاد – وفّرت فائضاً إنتاجياً مهماً قابلاً للتصدير. كما أن تأمين ظروف مثالية للنقل البحري والبري عبر ميناء العقبة، والبر الأردني، يصل مصر بالعراق والعكس؛ سيكون بمثابة السمن والعسل للصناعة والتجارة البينية بين الدول الثلاث.

 لكن المشروع الأكثر أهمية الذي يتطلّع اليه الحلف الجديد؛ هو إنشاء خط لجر النفط من جنوب العراق إلى خليج العقبة الأردني القريب من مصر على البحر الأحمر. وجنوب العراق الذي يحتوي على مخزون نفطي هائل، يعاني تدخلات خارجية كبيرة، وقد حصلت في السنتين الماضيتين أحداث كبيرة، وانتفاضة شعبية مطلبية عارمة في وجه التجاوزات في تلك المنطقة، جزء كبير منها كان موجهاً ضد الميليشيات التي ترتبط بصداقات مع إيران.

 ويبدو واضحاً أن الهلال السياسي العربي الجديد سيكون مدماكاً في مشروع استعادة الحضور العربي الجامع، وهو لا شك سيكون رافعة لعمل عربي موحد في المستقبل، يتسع مداه ليشمل دولاً عربية أخرى، في وقت تحتاج فيه الأمة العربية إلى مزيد من عناصر التضامن والتوحد كي تتمكن من مواجهة التحديات التي تواجهها في عصر لا يعرف إلا التجمعات السياسية والاقتصادية الكبرى.