الجزائر: تغيير الدستور في بلاد الثوابت

05 تشرين الثاني 2020 16:38:10

تتميز الجزائر بخصائص جيوسياسية وتاريخية كبيرة، فهي أكبر دولة عربية وأفريقية من حيث المساحة، وتعتبر بوابة أوروبا الى أفريقيا، وفيها تنوع ديموغرافي غني، يحتوي على خلاصة تجارب متميزة لشعوبٍ وقبائل ارتضت أن تتظلَّل بالعروبة رغم التمايُز بين مكوناتها الاجتماعية التي تتوزَّع بين طوارق الصحراء وأمازيغ الجبال الأوراسية، ولم تتمكَّن الثقافة الفرنسية خلال أكثر من 160 عاماً من محو الرسوخ العربي الخالص الذي يتموضع في جهات البلاد الأربع.

الاستعمار الفرنسي الذي دخل البلاد بمساومة عثمانية، استثمر الجزائر كجسر الى وسط القارة السمراء، وجعلها حديقة خلفية ومدىً حيوياً، تتبختر فيها الإنتلجنسيا الفرنسية بين واحات نخيل دقلة نور الفاخرة، وبين سهوب العنب التي كانت تُنتج أفضل نبيذ في العالم على الإطلاق، لأن عنبها غنيٌ بنيرفانا الشمس التي أحبت الجزائر أكثر من غيرها. وشكَّل انتصار ثورة المليون ونصف المليون شهيد تحولاً هائلاً بُعَيد منتصف القرن العشرين، وأقتدت بتضحياتها شعوبٌ وأمم عدة، واستمرَّت الجزائر منذ ذلك الحين سنداً لحركات التحرُّر في أفريقيا والعالم، ورصيداً منيعاً للفلسطينيين وللعرب أجمعين، وبقيت عشرات السنوات مرتكز التوازن بين الاتجاهات العربية المختلفة، ووسيطاً في الصراعات العربية الكبرى، الى أن أنهكتها الحوادث الكبيرة التي حصلت فيها منذ تسعينات القرن الماضي، وزاد في تعبها انشغالها بالصراع الدائر في الصحراء الغربية ووادي الذهب، وأنتج لها وجع رأس سياسياً وأمنياً مع جارتها الشقيقة المملكة المغربية.

الاستفتاء العام الذي حصل على التعديلات الدستورية التي طرحها الرئيس عبدالمجيد تبّون، والذي جرى في الأول من تشرين الثاني (نوفمبر) أثناء وجوده في ألمانيا للعلاج بعد إصابته بمرض كوفيد-19؛ لم يكُن الحدث الكبير الوحيد بعد تحرير البلاد من الاستعمار وتولي حزب "جبهة التحرير الوطني" الحكم في عام 1962، فقد إعتادت بلاد الشهداء العربية على الحوادث الكبرى التي تجري دورياً كل عشر سنوات تقريباً. وقد حصل فيها صراعات بين أجنحة الجبهة الواحدة في نهاية السبعينات والثمانينات من القرن الماضي، ثمَّ انفجرت الثورة الشعبية في وجه الحاكمين من قادة ثورة التحرير، وحصل ما لم يكُن في الحسبان بين تشرين الأول (أكتوبر) 1988 وشباط (فبراير) 1991، حيث ألغت السلطة نتائج الانتخابات التشريعية التي جرت للمرة الأولى بقانون يسمح بالتعددية الحزبية، وفازت فيها الجبهة الإسلامية للإنقاذ بـ188 مقعداً من أصل 228. ووقعت حوادث دامية، لم تتوقف نهائياً إلا في عام 1999، عندما تولَّى الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة الحكم، وأصدر قانون الوئام المدني. لكن الحوادث الدامية كادت أن تتجدد في عام 2010 بعد خروج علي بلحاج زعيم الجبهة الإسلامية من السجن، لولا دهاء وفطنة الرئيس بوتفليقه. لكن بوتفليقة الذي لم تسعفه صحته، أُجبر هو أيضاً، على التخلي عن الحكم تحت ضغط التظاهرات الشعبية في 2 نيسان (أبريل) 2019.

قيل الكثير عن الاستفتاء الذي جرى على الدستور الجديد، من حيث تدني مستوى مشاركة الناخبين التي لم تتجاوز 23,7 في المئة، ومن حيث مضمون المواد القانونية التي شملها التعديل. وهناك وجهات نظر متضاربة حول تقييم هذه المسائل. فأحزاب المعارضة وبعض قادة الحراك الشعبي، رأوا أن تدني نسبة المشاركين في التصويت جاء استجابة لنداءاتهم بالمقاطعة، وأن التعديلات التي أُدخلت على الدستور، كانت شكلية ولم تُلب طموحات الانتفاضة الشعبية. بينما يرى المؤيدون للرئيس تبّون، أن ضآلة المشاركة عائدة لخوف الناخبين من عدوى وباء كورونا، ولو كان الأمر استجابة لرأي المعارضين، لصوتت الغالبية ضد التعديلات، ويقول هؤلاء أن التعديلات التي أدخلت على الدستور جاءت تلبية لمطالب الحراك الشعبي.

مهما يكُن من أمر، يبدو واضحاً أن التعديلات المهمة التي ستُضاف على الدستور إستناداً لتأييد 66,8 في المئة من المشاركين، ستُحدث فرقاً سياسياً كبيراً عن المرحلة السابقة، لأن التعددية الحزبية ترسّخت بموجب مواد دستورية مُلزمة، فرضت على رئيس الدولة تسمية الوزير الأول الذي سيؤلف الحكومة من أكبر كتلة نيابية تكون قد فازت في الانتخابات، على رغم أن صلاحية رئيس الجمهورية لم تتقلَّص لناحية دوره في تعيين كبار الموظفين، ولا في مجال قيادته للقوى المسلحة الجزائرية التي سمح لها الدستور الجديد القيام بمهمات خارج الحدود، بناء على تفويض من البرلمان، وهو ما لم يكُن مسموحاً لها في السابق.

وهناك جوانب مهمة تضمّنها التعديل الدستوري، لا يمكن التقليل من شأنها، خصوصاً منع ترشُح رئيس الجمهورية لأكثر من ولايتين رئاسيتين، كذلك في فرض معايير متقدمة تحفظ الحريات العامة والتعددية الثقافية والدينية والاقتصادية، وتلتزم المواثيق الدولية في ما يتعلق بحقوق الإنسان في شكلٍ عام، وحقوق المرأة والطفل في شكلٍ خاص.

وعلى الضفة الأخرى من التطورات التي جرت في الجزائر، يبدو أن ما حصل لن يُغير في دور الجزائر على المستوى العربي، وهي ستبقى ركيزة توازن تتوسط صفوف التباينات بين الدول العربية، خصوصاً حول الملفات الخلافية في سوريا وليبيا وفلسطين واليمن. لكن في المقابل؛ فإن المطلعين على تفاصيل ميثولوجيا الثقافة الجزائرية يعتبرون أن الفكرة القومية العربية بجوانبها الحضارية والسياسية، مترسِخة في ذاكرة الجزائريين على شاكلة واسعة، وتمسُّك الجزائر في دورها القومي العربي، وفي تعاطفها مع الشعب الفلسطيني لا تعتريه أية شائبة، بصرف النظر عن طبيعة الغالبية النيابية التي قد تحكُم البلاد في المستقبل. كما أن الاعتراف باللغة الأمازيغية كلغة رسمية ثانية، لا يُهدِّد المكانة المتقدمة للعروبة في البلاد.