حسن مشرفية قامة فكرية رحلت

05 تشرين الثاني 2020 08:10:00 - آخر تحديث: 05 تشرين الثاني 2020 11:48:18

في أواسط ثمانينيات القرن الماضي، انتسبتُ إلى كلية العلوم - الفرع الأول في الجامعة اللبنانية، والتي كانت يومها في محطتها التهجيرية الأولى في منطقة اليونيسكو، قبل أن تحط رحالها في مبنى دار المعلمين في بئر حسن حيث مكثت لسنوات عديدة. 

في ذلك المبنى، ومنذ أول دخولٍ لي إلى مختبر المعلوماتية، كنتُ أشاهدُ رجلاً وقوراً هادئاً في العقد السابع من العمر، يبقى لساعاتٍ عديدة متسمراً أمام شاشة الكمبيوتر في إحدى زوايا القاعة دون كللٍ أو ملل. علمتُ فيما بعد أنه البروفيسور حسن مشرفية الذي تصادف ذكرى ميلاده الخامسة والتسعين. 

هو ذلك اللطيف المتواضع المحب، والمؤمن بالعلم والتطور إلى أبعد الحدود، والعميد المؤسّس الباني لكلية العلوم، وأحد أبرز  ركائز الجامعة اللبنانية، والمناضلين من أجل إعلاء شأنها، وتطويرها، وتحقيق مطالب أساتذتها وطلّابها.

كان لي شرف التحدث معه لمراتٍ قليلة سمحت لي أن أشاهد ابتسامته عند استعراض الإنجازات قبل أن ينظر من خلال النافذة، وكذلك حين تغرورق عيناه بالدموع حين يتذكّر أن ذاك الصرح (مبنى كلية العلوم في الحدث) الذي كان له اليد الطولى ببنائه وتجهيزه، قد تعرّض للتخريب، وحُرِم هو وزملاؤه وطلّابه من دخوله، واستعيض عنه بمبنى مؤقت غير مؤهل، حيث تذكرت يومها بيتاً للأخطل الصغير يقول فيه:

يبكي ويضحك لا حزناً ولا فرحاً 
كعاشقٍ خط سطراً في الهوى ومحا.

أثناء حضوري للحصة الأولى من مادة الإحصاء، بدأ الأستاذ المحاضر بمقدمة عن المادة، وأهميّتها في مجال الدراسات والبحث العلمي، حيث تشكّل ركيزةً أساسياً للتخطيط السليم والمجدي - وهذا أمرٌ أكيد لأننا إذا لم ندرك الواقع كما هو فإننا لن نتمكّن من تطويره، وإذا لم نكن نعرف المشكلة فلن نستطيع إيجاد حلٍ لها. وبقدر ما للإحصاء من أهمية لتطوير المجتمعات من خلال تطوير مؤسّساته وكافة وحداته، بقدر ما يُعتبر خطراً على الفاسدين ومستغلي المناصب والمقصرين، إذ أنه بالإضافة لكونه أحد ركائز التخطيط هو من أهم الوسائل العلمية للمقارنة، وبالتالي لتقييم كفاءة التنفيذ، وقياس أهمية ما تمّ تنفيذه والجدوى منه. 

وللدلالة على ذلك قال أستاذنا المحاضر، "من المؤكّد أنكم دخلتم إلى قاعة المختبر، وشاهدتم ذلك الرجل الذي يكاد لا يفارق مقعده أمام شاشة الكمبيوتر (اي د.مشرفية)، الذي عُيّن في مطلع سبعينيات القرن الماضي وزيراً للتصميم العام، فجعل من الوزارة خلية نحل في مجال الإحصاء و الدراسات بهدف وضع ما يُعرف اليوم بقاعدة البيانات الممهّدة للتخطيط، وهو غاية إنشاء الوزارة. 

لكن ذلك أرعب الطبقة المهيمنة على السلطة جرّاء شعورها بالخطر الشديد، نتيجة كشفه من خلال الإحصاء لحقائق كثيرة كان يجب أن تبقى طي الكتمان (حسب رأيهم، وانسجاماً مع مصالحهم) وكان لا يزال في بداية الطريق، وهو ما دفع تلك الطبقة إلى محاربته، وأوصله ذلك فيما بعد إلى الاستقالة.

 ويضيف أستاذنا أنه باعتقاده، وباعتقاد الكثيرين من أمثاله، منذ ذلك الوقت بدأ فعلياً "التخطيط لإلغاء وزارة التخطيط" المسمّاة وزارة التصميم العام.

لم أهدف من خلال هذه المقالة أن أعدّد صفات الرجل، ومزاياه الحميدة، وإنجازاته وهي كثيرة، وهناك الكثير ممن عايشوه لفتراتٍ طويلة أجدر مني بذلك، لكن ما قصدته هو أن أحيّي ذكراه، والإضاءة على جوانب شاهدتها، أو سمعتها، مباشرة.
 
الدكتور حسن مشرفية أحد القامات الكبيرة في المجال الأكاديمي، وهو أثبت أنّه كان من قادة الفكر والرؤى، ومن الساعين بجدية وبصمت لتطوير بلدهم ومجتمعهم، لكنه وبكل أسف لم يُعطَ حقّه كغيره من أمثاله أصحاب الأيادي البيضاء في بناء مؤسّسات  الدولة، لا سيّما الرقابية منها، وممن حاولوا الوقوف في وجه الكارتيلات،  ككمال جنبلاط، وموريس الجميّل، وفريد جبران، وإميل بيطار، وغيرهم، لكنهم حوربوا بشراسة، وإن ذُكرت إنجازاتهم فتُنسب لغيرهم، وهذا ليس بالأمر المستغرب في بلادنا.

 عندما نرى واقعنا الآن لا يسعنا إلّا أن نقول: عظماء بنوا، وأوباش يهدمون.

 
هذه الصفحة مخصّصة لنشر الآراء والمقالات الواردة إلى جريدة "الأنبـاء".