سوريا ساحة إختبار جديدة للمنازلات الدولية

30 تشرين الأول 2020 08:40:03

تُشكل سوريا عبر التاريخ مرتكزاً سياسياً واستراتيجياً بالغ الأهمية، وهي رابط قومي عربي، ومكان لتلاقي طموحات وأطماع الدول الكبرى في الوقت ذاته، نظراً الى موقعها الجغرافي المُتميز ولتركيبتها الديموغرافية الخاصة، وهي اشتهرت على أنها قلب العروبة النابض عبر حقبات مهمة من التاريخ المعاصر. وما تحمَّله الشعب السوري من مآسٍ وويلات خلال السنوات العشر الماضية، فاق كل تصور، وقدرة الاحتمال والصبر عند فئات واسعة من السوريين، ليست موجودة غالباً عند شعوبٍ آُخرى.

الحراك المُستجد فوق المستنقع السوري الدامي، يُثير فضول المراقبين، ويفتح شهية الدول المعنية للتسابق للنزول إلى الميدان حفظاً لمصالح كُلٍ منها، كما يبعث بعض الأمل عند الدول المجاورة لسوريا في قرب حل معضلة قاسية عانت منها هذه الدول، من خلال إستضافتها لملايين السوريين الهاربين من الاقتتال، وعلى وجه الخصوص لبنان والأردن، لأن أعباء الاستضافة لهاتين الدولتين أكبر من قدرتهما على تحمُّلها لفتراتٍ أطول، وسط ما يشبه اللامبالاة الدولية والعربية تجاه هذه القضية، او لعدم تقديم الدعم الكافي للبلدين المستضيفين للقيام بهذه المهمة على أقل تقدير.

المبادرة الروسية لإعادة النازحين السوريين كانت قد انطلقت عام 2018، وحصلت على تأييد لبنان والأردن وتركيا والعراق، لكن الموقف الدولي والعربي الذي كان من المفترض أن يدعم المبادرة ويمول العودة، اشترط إحداث تغييرات سياسية في سوريا، قبل الشروع في الدعم، كي لا يبدو هذا الدعم كأنه تأييد للنظام ضد المعارضة، او اعتراف بالحل العسكري الذي يريده النظام من دون إجراء أي إصلاحات دستورية جوهرية. وقد تراجعت بعض الدول العربية عن إندفاعتها التي كانت تنوي بموجبها إعادة فتح السفارات في دمشق، كما أن مندوبَي الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي في مفاوضات لجنة وضع الدستور الجديد، اشترطا إحراز تقدم، وإقرار تعديلات دستورية مهمة، قبل الانفتاح على الحكومة السورية وفكّ العزلة عنها.

المبادرة الروسية الجديدة التي انطلقت للتحضير إلى عقد مؤتمر دولي لعودة النازحين السوريين الى بلادهم في منتصف تشرين الثاني (نوفمبر) 2020؛ حمَّالة أوجه سياسية متعددة، خصوصاً أن الوفد الروسي رفيع المستوى الى دول الجوار، كان من المقرر أن يترأسه وزير الخارجية سيرغي لافروف قبل أن يحجر نفسه بسبب فيروس كورونا، وقد تمَّ تكليف رئيس المركز القومي لإدارة الدفاع في روسيا ميخائيل ميزنتساف للقيام بالمهمة.

قد يكون أحد أهداف موسكو من هذه الإندفاعة الجديدة، الإستفادة من الأجواء التي أفضت الى بعض التفاهُمات في المنطقة، خصوصاً التفاوض بين بعض الدول العربية وإسرائيل والصفقات التي تمَّ ترتيبها في اليمن، والتي أدت الى تبادل واسع للأسرى، ومفاوضات ترسيم الحدود بين لبنان وإسرائيل. وربما يكون من الأهداف أيضاً إستغلال الانزعاج العربي والدولي من سياسة تركيا في إقليم ناغورنو كراباخ وفي ليبيا وفي شمال سوريا والعراق. وانزعاج روسيا من تدخُل تركيا مع أذربيجان ضد أرمينيا في جنوب القوقاز واضح ولا لبس فيه.

يبدو أن سوريا عادت لتكون ساحة منازلات دولية كبرى، بين مجموعة الدول المتخاصمة، لا سيما روسيا وتركيا والولايات المتحدة الأميركية وإيران، كذلك بين الدول المتحالفة علناً والمتعارضة ضمناً، عنيت تحديداً، روسيا وإيران وتركيا، والتي عقدت أكثر من اجتماع قمة لتنظيم خلافاتهم في سوريا ومحيطها.

لا يبدو أن التوافق الأميركي – الروسي قد تبلور بعد في شمال شرق سوريا، خصوصاً حول حقول النفط، وحول مستقبل حركة "قسد" (قوات سوريا الديموقراطية الكردية) والتوتر الروسي – التركي في منطقة إدلب عاد الى ما كان عليه قبل تفاهمات آذار (مارس) 2020، والحرب الباردة بين الحليفين اللدودينن روسيا وايران؛ ظهر الى العلن في جنوب سوريا حيث يتصارع الطرفان على استقطاب ميليشيات محلية بجانب كل منهما، ووصل الأمر الى حد تقاسُم النفوذ بين كل منهما على الوحدات العسكرية النظامية السورية. وقد توضَّح التحشيد المتقابل بين مؤيدي كل من الدولتين في الحوادث التي حصلت على الحدود الفاصلة بين محافظتي درعا والسويداء، وهذه الحوادث لا تخلو من الخطورة لأنها قد تؤدي إلى إشعال حرب أهلية محلية لا تُحمد عقباها.

لا يوجد اعتراض عربي ودولي واسع على دور روسيا في سوريا، كما هو عليه الحال مع دور إيران المتهمة بالعمل على إحداث تغييرات ديموغرافية وشراء أراضٍ. لكن ذلك لا يعني إطلاقاً أن روسيا معفية من مسؤوليتها عن استمرار الوضع المأسوي، وهي الوحيدة القادرة على الضغط على النظام للقبول بتعديلات دستورية تؤدي الى حل النزاع بطرق سلمية والى عودة النازحين الى منازلهم.

روسيا تؤكد أنها ليست متمسكة ببشار الأسد رئيساً دائماً لسوريا، وأن هذا الأمر يقرره الشعب السوري، لكن تحركها في هذا الوقت بالذات تحت شعار إعادة النازحين، يمكن تفسيره على أنه ضغط لصالح الأسد الذي يبدو أنه قرر الترشُح لولاية رابعة في انتخابات شباط (فبراير) 2021، ويمكن تفسيره أيضاً على أنه بمثابة تقديم عروض مغرية للدول المهتمة بتغيير الأسد.

كل ذلك يجري وسط عقوبات أميركية ودولية غير مسبوقة على النظام، واحتياط القمح لا يكفي لإطعام الشعب السوري أكثر من 45 يوماً.

المصدر: النهار العربي