تراجع المقاربات القارية والقومية

29 تشرين الأول 2020 15:32:30

منذ مؤتمر وستفاليا الذي عقد في مايو/أيار 1648، لم يسبق أن تراجعت فكرة السيادة والمشاعر القومية والوطنية إلى المستوى المتدني كما هو الحال اليوم. والمؤتمر الذي أنهى الصراع الإثني والديني بين الإمبراطوريات الأوروبية، وضع محددات واضحة لسيادة الدول واستقلال شخصيتها المعنوية، بصرف النظر عن عدد سكانها، أو حجم مساحتها، أو قدراتها العسكرية والمالية، أو موقعها الجغرافي. والخروق التي حصلت على امتداد ما يقارب 400 عام، كانت مغلفة ببطانة قومية أو دينية، أو كانت من خلال تشريعات دولية معترف بها مثل الاستعمار أو الانتداب لغايات تأهيلية في الظاهر، أما في واقع الحال فكانت احتلالاً بهدف الاستغلال ونهب الثروات لشعوب أغلبها لم يكن قد حصل على شخصية دولة ولا على استقلال.

المشهد العام للحراك الدولي اليوم، يحمل مجموعة من الخصائص المبتكرة أو الجديدة، وعلى مستويات مختلفة، منها المستوى التنظيمي والسياسي، ذلك أن الأطر التي تنظم واقع الدول الوطنية، أصبحت تختلف عن الأطر التي كانت معتمدة في السابق، على الرغم من تطور المفاهيم الديمقراطية وتنامي حركة اللوائح التشريعية المعصرنة التي أصبحت تحاكي أغلبية المستوجبات التي تحتاجها حركية الدول والمجموعات والأفراد. كما أن الاعتقادات السياسية أو الثقافية، باتت تحمل رؤى جديدة فرضتها خصائص الاقتصاد الرقمي، أو «الميديا» التي دخلت إلى كل كيان أو مؤسسة، وأصبحت جزءاً لا يتجزأ من حياة الناس أجمعين، لاسيما بعد أن وصلت خدمات الإنترنت إلى ما يقارب 4,7 مليار إنسان في مختلف قارات العالم.

تبدو مؤشرات تراجع الفكرة الوطنية والقومية واضحة، وقد غلبت على مشهدية الحراك الدولي، وعلى ثقافة الشعوب والمصالح المالية والاقتصادية. 

كما أن جزءاً من «التحشيد» الديني لم يعد يشتغل على خلفيات إيمانية أو عقائدية أو تبشيرية، بقدر ما يحمل أهدافاً سياسية لتحقيق مصلحة توسعية لبعض الأنظمة الطموحة أو المتفلِّتة، والبعض استخدم الدين عن غير حق كفزاعة أو وسيلة للتخدير الفكري الذي لا يمت بأي صلة إلى جوهر الديانات السماوية السمحاء، التي تنشد العدالة والتعاون والأخوة والسلام.

هناك من يبالغ في تصوير ما يحصل على أنه موت للفكرة القومية والوطنية بالكامل، لكن الأمر لم يصل إلى هذا الحد إطلاقاً. وزيادة الهجرة أو اللجوء بسبب الاضطراب الأمني، أو بسبب ضيق الحال المعيشية، لا يعني تخلياً كاملاً عن الارتباط الوطني والقومي لهؤلاء النازحين، ولم يثبت أن طموحاتهم الوطنية تلاشت أو أنها في طريقها إلى الاندثار.

أما على مستوى العلاقات بين الدول، فقد دلّت تجربة الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي  ومعها عدد من الإخفاقات التي حصلت في بعض الدول، حيث لم ينجح الرابط الوطني ولا المشاعر القومية أو القارية في مساعدة هذه الدول ومنعها من الانهيار  على تغلب التأثير السياسي ومصالح الجماعات على الاعتبارات الآنفة، وذلك أثر سلباً في التماسك المجتمعي لصالح الاندماج في مشاريع عابرة للوطنية. 

ويرى بعضهم أن الارتباطات العابرة توفر لهم مأمناً أكثر مما توفره الدولة الوطنية. ويمكن اعتبار تجربة هونج كونج منذ عام 2019 نموذجاً على تفضيل الجماعات للمصالح الذاتية وللبحبوحة المالية على الارتباط بالدولة الأم، وهناك نماذج أخرى مختلفة لها طابع ديني أو عقائدي أو سياسي.

شعرت شرائح واسعة من سكان الأرض بشكل من أشكال التكوّر البشري، أو بوجود القرية الكونية الواحدة، وكان لتجربة إلغاء الحدود بين دول الاتحاد الأوروبي  وكذلك لخطط استقدام مهاجرين لدى دول كبرى مثل الولايات المتحدة وكندا وأستراليا  دور مهم في التشويش على الفكرة الوطنية، واقتنع ملايين من الناس بأن عامل توفير سُبل العيش والأمان أهم من العوامل الأخرى، وبالتالي انسجمت هذه المجموعات الكبيرة في الدول الجديدة، وأغلبيتها حصل على جنسية هذه الدول، وأصبح يدافع عنها، أكثر من دفاعه عن بلده الأم، خصوصاً إذا ما كانت الدول الأم هذه، قد قصّرت في توفير سبل العيش الكريم لهؤلاء.

وأسهم تطور وسائل النقل  ووسائل التواصل الاجتماعي  في تحطيم صورة الجدران العازلة والحدود، وتأسست ثقافة كونية عند أعداد هائلة من سكان الأرض، غلّبت الاعتبارات التي تتعلّق بالأمان المعيشي والرفاه على أي اعتبارات أخرى.

قد نكون أمام شكل من أشكال الإمبريالية الجديدة التي تستغل مآسي الشعوب التي أصابتها النكبة أكثر من غيرها، لتكوين نموذج من الإمبراطوريات الاستعمارية بأوجه مختلفة.