مُتكأُ آذار!

وائل ضو |

 

مع إقترابنا لذكرى 14 آذار من العام 2005 والتي كانت مفصلاً هاماً جداً من تاريخ لبنان الحديث وركيزة مُشبعة بإرادة الشعب للإنتقال ببلدهم إلى مرحلة يتلاقى فيها لبنان مع المستقبل الذي يطمحون ويسعون اليه. لا بُدَ من التذكير ببعض المحطات قبل هذا التاريخ والتي كانت مُتكأً ومُنطلقاً ودافعاً لتحريك واستنهاض وَعِي الناس وإرادتهم لأهمية التغيير بعد 30 عاماً من السطوة على القرار اللبناني والسيادة الوطنية.
بعد تحرير الجنوب في العام 2000على يَد رجال المُقاومة وإنكفاء العدو الإسرائيلي إلى ما بعد الحدود اللبنانية باستثناء مزارع شبعا المُتنازع عليها وغير الواضحة معالم حدودها في حينها إن كانت لبنانية أم سورية، بدأ وليد جنبلاط حينها بالمطالبة بإعادة تموضع الجيش السوري وخروجه من بيروت وجبل لبنان الى البقاع إبتداءً من ضهر البيدر، كان بذلك أول من طالب بهذا الإنكفاء للجيش السوري من القوى السياسية اللبنانية المُسلمة، وتلاقى في هذا النداء مع قوى تجمُع قرنة شهوان وغبطة البطريرك الماروني مار نصرالله بطرس صفير.
إستفز طلب وليد جنبلاط بعض السياسيين اللبنانيين كما استفز القيادة السورية، بل غالى بعضهم في التهجم عليه ونعته بأبشع النعوت، وذهب أحدهم أبعد من ذلك إذ طالب بهدر دمه من على منبر مجلس النواب أعلى سلطة تشريعية... إذ لم يكُن مقبولاً في حينه أن يتجرأ زعيم مُسلمٍ بالتوجه من القيادة السورية بطلبٍ كهذا الطلب الإستثنائي والجريء.
في ذلك التاريخ وأثناء ذلك النِزال السياسي الشرس وغير المُعتاد بين قيادة وطنية كبيرة وفاعلة ومؤثرة والقيادة السورية ومن يُمَثلها في لبنان، شعرنا بخوفٍ مُبرر ومُحق على وليد جنبلاط، خاصة وأن تجربتنا مع هذا النظام مُؤلمة وموجعة ومُكلفة جداً. بدأت الإستفزازات تظهر وتطفو على السطح، وأصبح كل شيءٍ ممكن ومُباح، وبدأت الخطوط تتهاوى. يومها التقيتُ صُدفةً بالوزير غازي العريضي في دبي، كان يومها على ما أذكر وزيراً للإعلام، جلستُ بجانبه وطرحتُ عليه مَخاوفي والتي تعكسُ مشاعر الكثير من اللبنانيين. وقلتُ له: "نحنُ خائفون على حياة وليد جنبلاط ونستشعرُ عليه الخطر". أجابني بلسان المسؤول: "ما هو عملك في دبي؟" أجبته. قال لي: "حيثُ أنتم تُقيمون وتعملون، تُقدمون للبنان والمُجتمع أكثر مما نُقدم، نطلبُ منكم أن تُثابروا على عملكم وأن تجتهدوا وأن لا تنغمسوا وتتأثروا في السياسة اللبنانية، دوركم في غاية الأهمية، أنتم تُساعدون على بناء الدولة، وأنتم الرافد الأول للإقتصاد، وأنتم لبنان الخارج المُنتشر على أرجاء هذه المعمورة، والصورة الطبيعية والمُشرفة للبنان الحقيقي... أما التحديات الداخلية فنحنُ لها، لا تخافوا، لن يسقط حقٌ وراءه مُطالب صلب، شجاع وعنيد".
بهذه الكلمات إنتهى اللقاء السريع. ذهب بعدها الوزير الجريء الصريح، وبقي الحديث يعكس الواقع إلى يومنا هذا، المسؤولية مُشاركة وأدوار، فلنقم بأدوارنا بكل أمانة وإخلاص، حينها ننهض بالوطن ومن خلاله بالمجتمع حتى لو كان المسار طويلاً جداً وشاقاً...