العرب وإنهاء النزاع في ليبيا

22 تشرين الأول 2020 07:48:20

كادت ليبيا أن تصبح صومالاً جديداً، أو كما حال سوريا؛ ساحة للتجاذبات الدولية، والإقليمية، ومقصد للطامعين بثرواتها، أو للنازحين من فقراء إفريقيا، والذين سُدت أمامهم سُبل الانتقال الى شواطئ القارة الأوروبية. 

 وقد وصل الأمر عند بعض المجموعات من التشاد والنيجر إلى الادعاء بصِلات تاريخية لهم في جنوب ليبيا، وبالتالي الاستيطان في تلك المناطق الصحراوية الغنية بثروات النفطن والغاز، والمياه الجوفية. ولا تخفى على أحد خطابات الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان العلنية، التي زعم فيها: «إن تركيا اشتاقت للعودة إلى المناطق التي سُلخت منها» بعد الحرب العالمية الأولى، ومنها مدينة مصراتة الليبية، ومدنٌ أُخرى، وأراضٍ في سوريا، والعراق.

 الاحتضان العربي المتنامي لليبيا في المدة الأخيرة؛ قلّص من الفجور السياسي الذي ظهر منذ ما يقارب السنة، ووضع العجلة على سكة الحوار، وكان بمثابة الرسالة الواضحة لتركيا التي شجعت على استمرار الفوضى، من خلال إرسال مرتزقة لدعم ميليشيات في طرابلس وضواحيها تقاتل ضد الجيش الوطني الليبي الذي يقوده المشير خليفة حفتر الذي يحظى بتغطية سياسية من برلمان ليبيا المنتخب، بينما حكومة الوفاق التي تألفت في السابق وفق الأصول برئاسة فايز السراج؛ غرقت في وحول التجاذبات الداخلية، والخارجية، وسيطرت عليها المنظمات المسلحة المتطرفة، وفقدت ثقة البرلمان، وأبرمت معاهدة غريبة مع حكومة أنقرة مطعون بقانونيتها من داخل ليبيا، وخارجها، ومن دوائر هيئة الأمم المتحدة.

 السفير الأمريكي لدى ليبيا ريتشارد نورلاند الذي زار أنقرة في المدة الأخيرة، قال: «إن تركيا تدعم الحوار بين الليبيين»، وهي إشارة واضحة على تراجع الانفلاش التركي، وبالتالي تعطي الأمل بوصول الحوارات المتتالية التي جرت بين الأطراف الليبية المتنازعة الى برّ الأمان. علماً بأن الولايات المتحدة هي الوحيدة التي لم تُعلن إدانتها للتدخُل التركي في ليبيا، ولم تُعلن تأييدها لهذا التدخل في الوقت نفسه، لكنها ممتعضة من سياسة أنقرة في أكثر من ساحة، جراء شراء تركيا لمنظومة صواريخ إس- 400 الروسية المتطورة، برغم أنها عضو في حلف شمالي الأطلسي.

 من الواضح أن الحوارات الليبية – الليبية التي انطلقت في مطلع شهر سبتمبر/ أيلول الماضي، برعاية الأمم المتحدة، وبتشجيع عربي؛ تأخذ مسارات مختلفة عما كان يجري منذ عام 2014 حتى اليوم، ويبدو أن المباحثات التي يجريها ممثلون عن المجلس الأعلى للدولة الموالي لحكومة الوفاق مع ممثلين للبرلمان الليبي؛ جدية، ومُنتجة، وتبشّر بحلول واقعية للأزمة، وهي تنطلق من مندرجات اتفاق الصخيرات الذي عقد في المغرب عام 2015، ومن مبادئ مؤتمر برلين الذي عقد مطلع عام 2020، وتراعي قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة بالأزمة الليبية.

 توصل اجتماع مدينة بوزريقة الذي عقد بين الأطراف المتنازعة برعاية مغربية في 6 سبتمبر/ أيلول إلى الاتفاق على الضوابط التي تحكم المناصب العليا في الدولة، وكيفية توزيع عمل المؤسسات العامة، لاسيما الإنتاجية منها. وقد أكد البيان الختامي على تثبيت وقف إطلاق النار، ما فتح الأبواب على تفاهمات مشتركة جديدة حول تصدير النفط، وتنظيم صرف عائداته المالية، ومنها خاصة رفع حالة القوة القاهرة التي كانت توقف العمل في منشأة «الشرارة» النفطية، وهي أهم حقل نفطي في البلاد، وقد بدأت بالإنتاج بالفعل في 11/10/2020، بحراسة جهاز أمن المنشآت النفطية الذي يوالي بمعظمه قوات المشير خليفة حفتر.

 وعلى الضفة الأُخرى من المباحثات الجديدة الواعدة؛ فقد افتتح في القاهرة مؤتمر الحوار بين الفريقين المتخاصمين، وأعضاء هيئة إعداد مشروع الدستور الجديد، وهي المرة الأولى التي يحضر فيها مندوبون عن حكومة الوفاق إلى مصر. وكان حفل إطلاق هذه المباحثات؛ محطة مهمة، أكدت فيها مصر على لسان رئيس المخابرات عباس كامل «أن طريق التسوية هي الحل الوحيد، وليس لمصر أي آجندة خاصة في ليبيا، وما يهمها هو توافق الليبيين بين بعضهم بعضاً، ومنع التدخلات الخارجية التي تُهدِّد الأمن القومي العربي».

 ممثلة الأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا ستيفاني وليامز أعلنت بعد لقائها مع الرئيس التونسي قيس سعيّد في قصر قرطاج، أن مفاوضات شاملة ستحصل بين ممثلين عن كل شرائح المجتمع الليبي من غير المرشحين لأي منصب، وذلك في تونس مطلع نوفمبر/ تشرين الثاني، وستُخصص للتحضير لإجراء انتخابات جديدة تؤسس لاستعادة العمل في المؤسسات الدستورية الشرعية.

المصدر: الخليج الإماراتية