"دمّر لتُعمّر".. ما لم يُروَ من قبل عن مصادرة النظام السوري أملاك النازحين!

الأنباء |

أعدّ جهاد يازجي تقريرًا نشرته مؤسسة فريدريش إيبرت الألمانيّة بعنوان "دمّر لتُعمّر"، واستهلّ الكاتب تقريره بالقول إنّ النظام السوري يستفيد من تدمير الممتلكات ومن التشريعات العقارية.

وقال الكاتب: خلال السنوات الست الماضية، دمّر النظام السوري المناطق والأحياء التي تسيطر عليها المعارضة، وعمل على محو وتزوير سجلات الملكية، ومصادرة الممتلكات، وإعادة توزيعها على المجتمعات الموالية للنظام.

وقد تمّ ذلك بهدف ترويع المجتمعات الداعمة للمعارضة، وتعزيز السيطرة على مساحات شاسعة من الأراضي وشراء الولاءات، وتوسيع السيطرة الإيرانية على الأجزاء الاستراتيجية من سوريا.

وفي الوقت نفسه، مرّر النظام السوري العديد من القوانين والتشريعات لإضفاء الطابع الرسمي على نقل الأصول العامة إلى مقرّبين منه، وقد استُهدفت بعض المناطق بطريقة مماثلة تحت ذريعة الاستعداد لإعادة الإعمار واعتماد خطط جديدة للتخطيط الحضري، فالنظام يريد الاستفادة من الدمار في سوريا، لجمع الأموال والإستفادة إقتصاديًا.

وينبغي على المانحين في المستقبل أن يستخدموا أي نفوذ ممكن من أجل إلغاء أكبر عدد ممكن من هذه السياسات وضمان عملية إعادة إعمار أكثر عدالة وتوازنًا. وهذا يشمل، على سبيل المثال، القول بأنّ أي تمويل يجب أن يكون مشروطًا بعودة النازحين واللاجئين إلى منازلهم بعدما تمّت مصادرتها ونزع ملكيتها، أو إذا كان ذلك غير ممكن، بأن يحصلوا على تعويض عادل.

وشمل محتوى هذا التقرير خلفية تاريخية لتوزيع الأراضي والممتلكات في سوريا، كما تطرّق الكاتب إلى إعادة توزيع الأراضي الزراعية، وإلى النمو الديمغرافي والتحكم السياسي والتحوّل الليبرالي، إضافةً الى الأبعاد السياسية والأمنية لسياسات النظام على الأراضي والممتلكات، وكيفية حصول تدمير مادي ومحو سجلات وعمليات تزوير. 

كما تحدّث الكاتب عن الأبعاد الطائفية في سوريا، وشراء إيران للأراضي، إضافةً الى التعديات على حقوق الملكية في مناطق الأكراد، واستفادة النظام السوري من الدمار، والتشريعات كوسيلة لنقل الأصول العامّة إلى مقربين من النظام، كذلك استهداف النظام للمناطق العامّة. 

وقال الكاتب: في السنوات الست التي تلت بداية الحرب في سوريا، بدأ الحديث عن الحقوق بالأراضي والملكية، حيث زادت المخاوف من التطهير الديني والعرقي، وأُثير الجدل حول استيلاء مقرّبين من النظام على الأصول العامة واستخدامها أيضًا كمكافآت لحلفاء النظام، وفرض الحقائق على الأرض لمنع عودة اللاجئين والتلاعب في عملية إعادة الإعمار.

ويوجد الآن دليل كبير يسلط الضوء على دور النظام في التدمير المادي للممتلكات، وإتلاف  السجلات والتزوير، والكشف عن نزوح السكان واستبدالهم عبر استهداف الدوائر الانتخابية الداعمة للمعارضة.

وإضافةً الى ما تقدّم، هناك أسباب جدية للقول إنّ النظام يريد هندسة التغيير الديمغرافي في أجزاء مختلفة من سوريا، لا سيما في دمشق وحمص وجبال القلمون على طول الحدود مع لبنان.

 وفي الوقت نفسه، فإنّ القوانين الجديدة التي تنظم إدارة الأراضي السورية والأصول، تفضل بشكل واضح نقل الملكية العامة إلى مستثمرين من القطاع الخاص، لا سيما أصدقاء النظام،  كذلك فإنّ التشريعات الخاصة بمعاملات الملكية تجعل من السهل نزع الملكية عن الأسر الفقيرة لصالح المستثمرين الأقوياء. كما أنّ إيران تسعى للحصول على تعويض مقابل دعمها للنظام السوري، من خلال الاستحواذ على الأراضي في عددٍ من المناطق، والهدف من ذلك واضح، وهو يتمثل في إقامة معاقل ومناطق نفوذ تزيد من حصة إيران في سوريا في مرحلة ما بعد الحرب، لا سيما في تنافسها مع دول أخرى في المنطقة.

كذلك فإنّ قضايا حقوق الملكية هي مهمّة وحاسمة من حيث التخطيط لإعادة الإعمار وعودة اللاجئين إلى منازلهم التي كانوا فيها في السابق، فإلى أين سيعودون ومع أي سجلات للممتلكات؟ في الوقت الذي تشير فيه القوانين والتشريعات التي صدرت في السنوات الأخيرة إلى أنّ النظام يفضّل بذل جهود لإعادة إعمار تتضمّن مباني راقية على الأراضي والممتلكات التي يملكها أولئك الذين طُردوا، وهكذا تكون سياسات النظام بما يتعلّق الممتلكات بمثابة سلاح وورقة مساومة، ووسيلة لتعزيز سيطرته.

إذًا تم استخدام إدارة الأراضي والعقارات من قبل الحكومة السورية كأداة للسيطرة السياسية.

وفي حين أدّى الإصلاح الزراعي إلى إضعاف القاعدة الاقتصادية وزيادة التأثير السياسي لمالكي الأراضي في المناطق الحضرية، ومعظمهم من السُنة في الخمسينيات والستينيات، بدأت البورجوازية الريفية التي شكلت قاعدة الدعم الرئيسية للنظام باستخدام ملكية الأراضي كأداة لإدارة العلاقات مع الأكراد.

وفي أوائل الستينيات، أنشأت الحكومة سياسة "الحزام العربي" في شمال شرق سوريا، وكان الهدف منه خفض نسبة الأكراد الذين يعيشون في شمال شرق سوريا، حيث شكلوا تركيزاً كبيراً، واكتشفوا موارد نفطية جديدة، بالإضافة إلى وجود مناطق زراعية خصبة هناك. وأدت هذه السياسة إلى نقل وتسوية القبائل العربية في المنطقة الحدودية مع تركيا لتقويض الهيمنة الديموغرافية للأكراد في المنطقة، وبالتالي تقييد الدعوات لمزيد من الحكم الذاتي الكردي. 

وبعد بناء سد الفرات وارتفاع منسوب المياه في خزانه مما أدى إلى نزوح العشرات من القرى، وجرى نقل السكان أيضًا إلى منطقة الحدود الشمالية الشرقية، وبقيت العلاقات مع الأكراد غير مستقرة لعقود، وفي عام 2008، أصدرت الحكومة السورية المرسوم رقم 49، الذي يطلب تصريحًا أمنيًا لشراء الأراضي وبيعها ووراثتها في المناطق الحدودية، والتي تم تعريفها على أنها جميع المناطق الواقعة ضمن حزام يبعد 25 كيلومترًا من الحدود. 

وكان الأكراد ينظرون إلى المرسوم على أنه استفزاز ويستهدفهم، على الرغم من أنّ الناس في درعا، التي تقع على الحدود مع الأردن تأثروا أيضًا، كما أفادت منظمة حقوق إنسان سورية كردية حينذاك أنّ المرسوم سيكون له "آثار كارثية على حقوق المواطنين"، وأنّ فرض تصريح أمني سيعني بحكم الواقع أنّه لن يُسمح للأكراد بامتلاك وإدارة أراضيهم وممتلكاتهم العقارية، حيث لم يحصل أي مواطن من أصل كردي على تصريح من الأجهزة الأمنية، لا سيما وأنّ الموقع الجغرافي للأكراد على الحدود التركية، كلّها عوامل تسهم في وجود علاقة نزاعية مع دمشق.

وفي كانون الأول 2000، بعد ستة أشهر من رئاسة بشار الأسد، كان أحد أول القرارات الاقتصادية التي اتخذها هو خصخصة مزارع الدولة التي يقع معظمها في محافظة الحسكة المعروفة بمنطقة الجزيرة الشرقية، وجرى تبرير إغلاقها على أنّها غير منتجة، وكان هذا التدبير رمزيًا للغاية للسياسات الاقتصادية التي تروج لها النخبة الجديدة.

وإضافةً إلى التدمير المادي للممتلكات، فقد قام النظام السوري أيضًا بتدمير وتزوير سجلات الممتلكات، ومصادرة الممتلكات وإعادة تخصيصها للمجتمعات الموالية للنظام، وإعطاء الأولوية لإعادة تأهيل المناطق التي يسكنها هؤلاء الموالون، وتشمل أهداف النظام زرع الخوف وترويع جماعات المعارضة وتعزيز السيطرة على مساحات شاسعة من الأراضي وشراء الولاءات ومكافأة المؤيدين وتوسيع السيطرة الإيرانية على الأجزاء الاستراتيجية من دمشق والحدود مع لبنان. 

إذًا، سوف يكون للهندسة الديموغرافية التي يقوم بها النظام السوري منذ العام 2011 من خلال التدمير وانتزاع الملكيّة وإعادة التوزيع تأثير قوي على فترة ما بعد الحرب، ومن المرجح أن تندلع الصراعات بين المالكين الذين انتُزعت ملكياتهم والمستفيدين الجدد من تدمير النظام وتزوير السجلات، الأمر الذي يطرح تساؤلات حول الأماكن التي سيعود اليها النازحون، وإذا ما كان أصدقاء النظام سيعيدون ما استولوا عليه.

(ترجمة: جاد شاهين)