رأس الفتنة

19 تشرين الأول 2020 11:35:00 - آخر تحديث: 19 تشرين الأول 2020 11:38:02

لا يخلصُ المرء من الحضِّ على قطعِ دابر الفتنة، حتى يرى رأسها يطل من جديد.

عقلاء الناس وعقّالهم. وعقلاء الرؤساء وعقّالهم. وعقلاء المجتمعات، وعقلاء السياسة، وعقلاء القادة، يحضّون جميعاً على قطع دابر الفتنة. غير أنهم سرعان ما يرونها تطل برأسها عليهم من جديد.

منذ قديم الزمان، ونحن نردّد: "الفتنة نائمة، لعنَ اللّه من أيقظها".  نقول ذلك ندامةً على قتلِ كبيرٍ أو صغير. نقول ذلك ندامةً على مقتل مدرسٍ أو أستاذ، أو عالِمٍ نحرير.

نقول ذلك ندامةً على حربٍ بين دولتين. أو حربٍ بين شعبين. أو حربٍ بين طائفتين. أو حربٍ بين ديانتين، أو حربٍ بين قطبين جبّارين. أو حربٍ بين شخصين. 

كثيرون هم السياسيون، الذين يبنون أمجادهم على الأحقاد. على نبش القبور. على خطاب الكراهية. 

كثيرون هم القادة، الذين تقف المنابر على رؤوسهم، بدل أن يقفوا عليها. فيرعدون ويزبدون، وينسون أنفسهم. إنّهم يُسيئون إلى أنفسهم بأنفسهم، قبل غيرهم. وإنهم يعدمون رأيهم، ويحطّمون عقلهم، بألوان الزيف والبهتان، وأراجيف الأكاذيب، وأكل لحوم الناس، وينسون القول الكريم: "أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا، فكرهتموه".

 أكثر ما يُدهش المرء، أن ينشد اللبنانيون معاً النشيدَ الوطني اللبناني. وينشدون منه، بحماسة ما بعدها حماسة: "أسدُ غابٍ متى، ساورتنا الفتن"، ثم يغوصون في الفتنة حتى أخماصهم.  ويفتّشون عنها في جوارير مكاتبهم، وفي خزائن ملابسهم، وفي ياقات أعناقهم. ثم يعتلون المنابر ويذرون ما يفتنون على الملأ، ويُفسدون بالفتنة الهواء، مثلما يفعلون بنفاياتهم.

 الكلمة الطيبة مثل الثمرة الطيبة. لكنّ الأطماع حرمتنا من تذوّقها في أسماعنا وفي قلوبنا.

الأطماع بكل شيء، من النفيس إلى الخسيس، إنما هي وراء الكراهية. ووراء خطاب الكراهية.

الأطماع لدى الصغار مؤذيةٌ مثل أطماع الكبار. أطماعٌ تجرّ الناس إلى الأحقاد والضغائن، وبناء جدران العزل، بالإضافة إلى التحريض والتأليب، وتجييش النفوس بكل ما هو شرٌ وبغيض.

هي دعوةٌ، وأجدى بنا أن نطلقها اليوم  قبل أي يوم، حين يقف "الصهر"، مجيّشاً ومحتشداً بأطماعه، على منابر الكراهية والعهر السياسي. 

يحرّض الناس على بعضهم، ويحجز عنهم حريتهم، ويحتجز عيشهم، ويصادر حقوقهم، ويؤجّل الإفراج عن لبنان واللبنانيين، تماماً كما فعلَ عمّه بكرسي الرئاسة طيلة عامين ونصف العام. وقديماً قال الشاعر: 
"وينشأ ناشئ الفتيان منّا
على ما كان عوّده أبوه". 
 
قطعُ الرأس بالمعنى الرمزي، خِدْنه قطع الرأس بالمعنى المادي. كلاهما من حاملي الفؤوس. يهجمون بها لتأديب الخصوم. دوافعهم واحدة: الأطماع التي تقود إلى الأبغاض والأحقاد، وتلوك في فمها، خطاب الكراهية.

حاقدٌ من الشيشان يقطع رأس أستاذ، وحاقدٌ من بلادي يقطع رأس لبنان. فمَن يجرؤ على قطع رأس الفتنة قبل ذيلها، وقبل دابرها؟ مَن يجرؤ على محاسبة الفَجَرة، والحاقدين، والطامعين. مَن يخلّص المنابر مِمَن يعلق بها من التافهين، وممّا يعلق بها من خطب الكراهية. فمن يجرؤ على ملاحقة العابثين بالناس، وبالدستور، وبالحقوق، وبالقوانين؟ ومَن يجرؤ على ملاحقة حَمَلة الفؤوس المادية والرمزية، يهدّدون بها أمْنَ الشعوب، ويعتدون عليها، على حدٍ سواء.

*أستاذ في الجامعة اللبنانية
 

 
هذه الصفحة مخصّصة لنشر الآراء والمقالات الواردة إلى جريدة "الأنبـاء".