الحقائق تُناجيك والعلم مفتاح المعرفة

16 تشرين الأول 2020 14:52:31

أمام كل عقبةٍ، أو مشكلةٍ، اجتماعية كانت أم إقتصادية، وحتى أوبئة تواجه المجتمع، يعكفُ نخبة الفلاسفة والعلماء ورجال الدِّين للبحث عن الحلول.

الفلاسفة يعكفون على التأمّل وإشغال الفكر، ويُقبل العلماء على ما لديهم من العناصر والمواد والمعطيات، ويدخلون بها مختبراتهم لإقامة التجارب. ويعود رجال الدِّين إلى كتبهم، يستعيدون قراءة تراثهم الديني والفقهي. ولقد شطّ كثيرون من الفلاسفة، وتخلّف كثيرون من العلماء، وأضلّ كثيرون من رجال الدِّين؛ ولكن البعض من الفلاسفة، والعلماء، ورجال الدِّين، وصلوا إلى الحقيقة.

لقد وصل من الفلاسفة من كان فكره مهذباً متحرّراً من القيود والروادع والممنوعات. ووصل من العلماء مَن لم تكن لديه استنتاجات مسبقة، ولم يهمل من مواده لا قليلها ولا أكثرها ولا ما بين بين، ولم يتعالَ على صغيرها ولا على متوسّطها ولا على أكبرها طبعاً؛ لقد أعطى في اختباراته جميع العناصر حقوقها بعدالةٍ متناهية، وقد وصل من رجال الدِّين، مَن تعاطى مع الرسائل والآيات على أنها معالم الدروب التي تقود إلى الحقيقة، وضلّ الطريق وخاب ظنّ من اعتقد أنه سيجد جميع الحلول خلف بابٍ، أو فوق قارعة طريق، دون إجهاد عقله. إنّ الله وضع بين أيدينا مفاتح الحلول قاطبةً، ندركها فقط عندما نواظب على إشغال العقل، بل حين لا يبقى سوى العقل سيّداً آمراً ناهياً.

يقول المعلّم كمال جنبلاط: سعي العلم وغايته هو محاولة الوصول إلى الجملة الهندسيّة والجبريّة الأخيرة التي بها نستطيع تفسير ظواهر هذا الكون بأسره. هو التفتيش عن وحدة للحلول التي تتراءى لمختلف الباحثين في شتى المسالك، وهو السعي لتوحيد مصدر هذه الحوادث والظواهر. هو في الواقع استكشاف الحقيقة الواحدة التي تكمن وراء هذه الحقائق الجزئيّة والنسبيّة، تماماً كما يسعى العابد الموحّد، عبر اختبارات ذاته، إلى التوصّل إلى معرفة الجوهر الذي يوحي إليه بالضمير وبالخلق السوي، وبرغبة الانصهار والتضحية من وراء هذه العوارض من هواجس الشعور وتبدّل صور الفكر ومدرَكات الحواس...

فلا شيء غير العلم والمعرفة طريق الحقيقة، وليس مهماً كيف تتلقاه ومتى، أكان في ساعات الصباح الأولى، أم بعد الظهر، أو حتى في المساء؛ أكان في ذهابك إلى المدرسة، أو المعهد أو الجامعة؛ أم كان في جلسة افتراضية عبر تطبيق "زوم" Zoom، أو تطبيق "واتس آب" Whatsapp، أو حتى عبر غيرهما. وليس مهماً إن كان في جلوسك خلف "الآي باد" خاصتك، أو على جهاز الكمبيوتر الخاص بوالدك، أو على جهاز الهاتف المحمول الخاص بوالدتك؛ فجميعها ليست إلّا وسائل وأدوات لشيءٍ في نفسك، ما عليك إلّا اكتشافه، بل واجبك اكتشافه؛ فقد تكون أنت الطبيب المعالِج، أو العالِم المكتشف، ودونك قد تأتي جائحة وتبيد جميع البشر.

قد تكون أنت الفيلسوف، والفلسفة دونك بهتان. قد تكون للجمهورية أنت الرئيس، ومع غيرك سيعلوَ صوت الدويلة على حساب الدولة، وتغرق البلاد بالفساد وتعمّ الفوضى. قد تكون رئيس حكومة، وغيرك سيكون مجرد طابة يتقاذفها اللّاعبون، مستغلين عجزه وضعف مناصريه. وقد تكون مفاوضاً حكيماً، ودونك سيبقى التفاوض استعراض قوة وربما طريق استعلاء. قد تكون أنتَ المخلّص، وهذا الشرق، كل الشرق ـــ بات منذ زمنٍ بعيد لا يفعل أي شيء ـــ بانتظارك، لتُخرج البلاد من كبوةٍ أوصلتها إليها الأدمغة المتعثرة.

 
هذه الصفحة مخصّصة لنشر الآراء والمقالات الواردة إلى جريدة "الأنبـاء".