الرقص الإثيوبي فوق صفيح النّيل السّاخن

16 تشرين الأول 2020 08:02:59

ثمّة سباحة سياسية ساخنة فوق مياه نهر النيل الباردة، والمركب الذي يعاكس التيار يحمل فوقه قبطاناً إثيوبياً هاوياً ومجموعة من اللاعبين الذين لا يدركون أن المجازفة بالمياه غالباً ما تؤدي الى الغرق، وبالتالي فهي ليست نزهة للاستمتاع بالشقاء الهادئ، بل مغامرة قد يواجهها الكثير من الأخطار.

اللاعبون على وتر الخلافات السياسية بين إثيوبيا من جهة، ومصر والسودان من جهة أخرى؛ لا يدركون أن المياه غالباً ما كانت سبباً لحروبٍ وخلافات بين المجموعات، وبين الدول. وربما يتجاهلون أن الإتفاقية الدولية حول الممرات النهرية لعام 1921، تؤكد  حقوق الدول المشاطئة للأنهر، وكلٌ منها تملك سيادة على حصتها من المياه، ولها الحق بالدفاع عنها ضد أي معتدٍ، كما في حق الدول في الدفاع عن أراضيها. وقانون الأنهر الدولية الذي وقَّعت عليه معظم دول العالم عام 1997؛ فرض التشاور على كل دولة من دول المنبع أو الدول المُشاطئة للنهر مع كامل الدول المستفيدة قبل القيام بأي عمل يمكن أن يُشكل تعسفاً بحق الشركاء، كما منع القانون الدولي المذكور استخدام المياه سلاحاً سياسياً، حتى لو وقّعت حرب بين دولتين مستفيدتين.

من المعروف أن مصر تعتمد بنسبة 90% من حاجاتها من المياه على نهر النيل، وهي هبة النيل على ما كان يقال قديماً، حيث بنت الحضارة المصرية إنجازات تاريخية هائلة جراء الخصوبة التي مدّها بها النهر، وقد أكدت الاتفاقيات المتعددة بين الدول المتشاطئة على حق مصر بما يوازي 55,5 بليون متر مكعب من مياه النيل التي يتجاوز حجمها السنوي 100 بليون متر مكعب. وهناك حقوق واضحة للدول الأُخرى، لحظتها هذه الاتفاقيات، وبخاصة اتفاقية عام 1959 واتفاقية عام 2010.

أعلنت إثيوبيا التي ينبع من جبالها النيل الأزرق - وهو الرافد الأهم لنهر النيل - عن إنشاء سد "النهضة" على النهر منذ عام 2011، ومكانه لا يبعد عن حدودها مع السودان أكثر من 40 كلم، ويتسع لـ74 بليون متر مكعب، ويستخدم لحاجات الشرب والري، وعليه أكبر معمل لإنتاج الطاقة الكهربائية في أفريقيا. وقد شارف العمل في بناء السد على الانتهاء، وكلّف ما يزيد عن 4,5 بلايين دولار أميركي، وإثيوبيا تنوي ملء السد خلال 3 سنوات، ما يشكل خطراً على انسياب المياه نحو السودان ومصر اللتين تطالبان إثيوبيا بتمديد مدة تعبئة السد الى 10 سنوات وليس 3 فقط.

حصلت اجتماعات بين الدول الثلاث لحل الخلاف، لكنها لم تصل الى نتيجة. وقد دخلت الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأفريقي على خط الوساطة، لكن جهودهما باءت بالفشل جراء التعنُّت الذي تمارسه حكومة إثيوبيا التي يقودها "حزب الازدهار" الذي يستغل الموضوع لإغراض انتخابية، ولكسب أصوات الرعاة والمزارعين، وبعض الجهات الطائفية. وأعلن رئيس الحكومة آبي أحمد عن منع تحليق الطائرات من أي نوع فوق منطقة سد "النهضة"، تحت ذريعة الخوف من إقدام الدول المتضررة على قصف منشآته، ولكن الهدف الفعلي لهذا الإعلان هو تحدي الدولة المصرية، تنفيذاً لأجندة بعض القوى المتطرفة في إثيوبيا، واستجابة لطلب دول تناصب مصر الخصومة، ولا سيما إسرائيل وتركيا.

شارك في تمويل بناء السد البنك الدولي وبعض البنوك القطرية، وجهات أخرى. وساهمت شركات تركية في تأمين توربينات توليد الكهرباء الغالية الثمن بطلب من حكومة الرئيس رجب طيب أردوغان، وتدخلت شركات إسرائيلية لتوفير بنية تحتية لجر المياه، ولاستصلاح الأراضي الزراعية. ولم يكُن لهذه التدخلات الإسرائيلية والتركية لتحصل لو لم تكن الدولتان على خصومة مع القاهرة، أو أنهما تحاولان ابتزاز القاهرة من خلال النيل، محاولتين تطويقها كونها الرافعة للأمن القومي العربي برمّته. وهناك مَن اتهم أنقرة علناً بالوقوف وراء التشدُّد في الموقف الإثيوبي تجاه مصر.

ما حصل في الأيام الأخيرة يُبشِّر بمعطيات إيجابية جديدة؛ فالولايات المتحدة الأميركية التي امتعضت من إفشال أديس أبابا مساعيها الحميدة؛ أوقفت تسليم إثيوبيا مبلغ 100 مليون دولار من أصل 130 مليوناً مخصصة مساعدات لها من وكالة التنمية الأميركية الدولية. وهددت واشنطن بوقف كل أنواع المساعدات لإثيوبيا في المستقبل، طالبةً من الحكومة الإثيوبية التزام مندرجات الاتفاقات الدولية ذات الصلة، وعدم التعسُّف تجاه جيرانها. هذا الموقف الأميركي دفع البرلمان الإثيوبي للتدخُل والضغط على الحكومة، وأقرَّ توصية مُلزمة، يدعو فيها الى حفظ حقوق مصر والسودان من مياه نهر النيل، وفقاً لما تقتضيه العدالة. فهل يؤدي موقف البرلمان الإثيوبي الى توقيف مسار التعنث الحكومي، وبالتالي وقف السباحة السياسية الخارجية الخطرة فوق مياه النيل؟

المصدر: النهار العربي