هل دخلت الأزمة الليبية مرحلة التسوية السياسية؟

11 تشرين الأول 2020 09:05:00 - آخر تحديث: 11 تشرين الأول 2020 12:34:30

النقلة النوعية التي حصلت في موازين القوى الليبية لصالح حكومة السرّاج نتيجة التدخل العسكري التركي، أسفرت عن تراجع قوات المشير خليفة حفتر عن حصار طرابلس العاصمة. موازين القوى الجديدة ليست مسألة عسكرية بحتة ناجمة عن التدخل التركي فقط، لكنها عملية إعادة هيكلة لميزان القوى قامت بها واشنطن من خلال السماح للدور التركي القيام بتلك المهمة.


الإدارة الأميركية حتى الآن، والمؤسّسات العميقة اللصيقة بها منقسمة في اتجاهين، لا بل يمكن القول إنها عملية توزيع للأدوار في اتجاهين: دورٌ تقوم به وكالة الاستخبارات الأميركية ووزارة الخارجية، بالتحالف الوثيق مع الإخوان المسلمين، واستخدامهم وضبط حركتهم بما يتناسب والاستراتيجية الأميركية، ودور يقوم به البنتاغون والبيت الأبيض باتخاذ مواقف متحرّرة من الحلف التاريخي بين الإدارة الأميركية والإخوان المسلمين، وعلى هذا الأساس تتم عملية ضبط إيقاع التوازن ليس في ليبيا فقط، إنما في معظم الملفات المتشابهة.

لم تكن هذه المعادلة واضحة في ساحاتٍ وملفاتٍ مختلفة، بقدر ما هي واضحة وتوضّحت أكثر في الملف الليبي، حيث شهدنا عزوفاً أميركياً عن التدخل في بداية الصراع، وتركِه للقوى الإقليمية – المحلية، أي تركيا ومصر وحلفائهما، والاتحاد الأوروبي بتلاوينه، فضلاً عن بريطانيا، وعندما أصبح ميزان القوى لمصلحة فريقٍ حاصر طرابلس وهدّدها بالسقوط خلال أسبوعين، مارست واشنطن ضغطاً شديداً لوقف الهجوم على طرابلس، وأتاحت الفرصة لتدخلٍ تركي من أجل إعادة هيكلة ميزان القوى. وشهدنا في المقابل رسم حدود لخطٍ أحمر مصري. وهنا لا بدّ من الإشارة إلى أن السياسة المصرية في معالجة الأزمة الليبية لها صفتان، الحجم الميداني في السيطرة على شرق ليبيا لمصلحة جيش حفتر، والمرونة القصوى مع متطلبات الموقف الأميركي فيما يخصّ غرب ليبيا، بحيث أن انسحاب قوات حفتر لم يكن بفعل هزيمةٍ عسكرية ساحقة، إنما كان بقرار سياسي ناتج عن التقاء الموقف الأميركي - المصري على النقاط التي حدّدها الرئيس السيسي (سرت والجفرة) على اعتبار أن تجاوز هذا الخط سوف يؤدي إلى تدخل عسكري لوقف التمدّد التركي دفاعاً عن الأمن القومي المصري.


ومع تثبيت الستاتيك الميداني الليبي الجديد ضمن حدود حمراء، يمكن القول إن الأزمة الليبية دخلت مرحلة التسوية، وما شهدناه في الواقع على المسرح الليبي في اللقاءات التي جمعت الممثلين العسكرين الليبيين (5+5) في "الغردقة" تحت الرعاية المصرية، والحضور الأميركي، لإنتاج توافق على توحيد المؤسّسات العسكرية والأمنية، والاستخباراتية، والشرطية في ليبيا وفق مقررات مؤتمر برلين، وما شهدناه أيضاً في المفاوضات السياسية في "زرنيقة" في المغرب، من توقّع لتفاهمات ترتبط بتوزيع المراكز والمهمات السياسية الأساسية السبع الكبرى المتعلقة بالرئاسات الثلاث، وتشكيل الوزارة، والمصرف المركزي، ومؤسّسة النفط الكبرى المرتبطة بعائدات النفط، لم يأتِ برغبة الليبيين بقدر ما هو تفاهم خارجي مفروض على الأطراف الليبية من قبل الولايات المتحدة الأميركية التي استطاعت عبر تفاهمها مع اللاعب الرئيسي في ليبيا، أي مصر ومن وراءها، أن تنتج خريطة طريق يريدون تنفيذها لاستكمال اتفاق جنيف، واتفاق برلين تحضيراً للحل الشامل برعاية الأمم المتحدة. وهذا يدفعنا إلى استخلاص التالي:

إن الازمات المستعصية التي تدور في منطقتنا، ومنها النموذج الليبي، يؤكد أن عدم التدخل الأميركي المباشر في الأزمات، وترك الساحة للقوى الإقليمية والقوى ذات النفوذ الدولي، على غرار الاتحاد الأوروبي أو الروسي، هو بمثابة تدخل تمهيدي يدفع تلك الدول إلى تحمّل مسؤولية المراحل الأولى من النزاع بما فيه من أوساخ وأوزار الحروب الأهلية، ومنها ما يجري في ليبيا، أو سوريا، أو اليمن، أو غيرها من المناطق، حيث يأخذ الأميركي صفة المراقب ويبني في الخفاء الأرضية التي تناسب سياساته في البنى التحتية اللازمة والمستجيبة لمصالحه عندما تحين فرصة التسوية بعد وصول الأزمة إلى حالة من الستاتيك (الأمر الواقع) الميداني، بحيث تقتنع الأطراف كافة أن لا جدوى في اختراق الخطوط المرسومة للحل ضمن الاستراتيجية الأميركية غير المعلنة والمعلومة لدى هيئة إدارة الملفات الساخنة في المؤسّسة الأميركية العميقة.

القوى الإقليمية - كما القوى الدولية ذات النفوذ، مثل روسيا أو بريطانيا أو فرنسا - تستطيع في مرحلة من المراحل أن تلعب دوراً رئيسياً، لكنها في الحقيقة هي أدوار تمهيدية لا تتجاوز خطوط الاستراتيجية في نظام المصلحة الأميركية. وقد شهدنا ذلك في ساحة الصراع الليبي، حيث تبدلت الدول التي لعبت الدور الرئيسي على مراحل مختلفة. لكن فرض الستاتيك (الأمر الواقع) الأخير كان من قبل واشنطن والقاهرة، وهذا يشير إلى دلالات جديدة في الحالة العربية والحالة شرق أوسطية يمكن القياس عليها في ملفات أخرى لاحقاً، رغم اختلاف اللاعب الموازي لواشنطن. ففي سوريا، مثلاً، وحتى هذه اللحظة ما زالت روسيا هي اللّاعب المعتمد الموازي لأميركا في رسم حلول الأزمة السورية، على الرغم من أن موسكو لم تفِ بعد بكامل التزاماتها المعهودة.

إن توازنات القوى الداخلية هي أدوات في التسوية، وهي غير قادرة على الحسم النهائي. فالجيش الليبي بقيادة المشير حفتر كانت لديه القدرة على إنهاء معركة طرابلس، لكنّه لم يستطع التقدم سياسياً عندما رُفعت بوجهه البطاقة الصفراء، ومن ثم البطاقة الحمراء التي فرضت عليه الانسحاب حتى حدود سرت والجفرة.

ما تقدّم من معالجات للشأن الليبي لناحية تثبيت الستاتيك الميداني، وإقرار خريطة طريق الحل عبر لقاءات المغرب ومصر برعاية أميركية، لا يعني أن الأزمة أصبحت جاهزة للنهايات، لأنه ثمة مطالب غير معلنة لدى الإدارة الأميركية لا بد أن تطرحها في المرحلة النهائية، كما ثمة احتمالات مفتوحة على إمكانية نجاح الحل السياسي واحتمالات الإخفاق، وبالتالي علينا أن نحاذر الاطمئنان لما تعلنه واشنطن إلى أن تتحقق التسوية النهائية، لأن هذه المسارات ما زالت قابلة للانتكاسة وقابلة لوضع شروط جديدة في آخر لحظة ما لم ترتسم معالم التسوية الشاملة للشرق الأوسط الكبير، حيث يمكن اعتبار النيران المشتعلة بين أذربيجان وناغورني كارا باخ واحدة من حروب ترسيم معالمه.