أرقام قياسية لطلبات هجرة اللبنانيين... وحدها كورونا تؤخّر سفرهم

09 تشرين الأول 2020 16:19:08

"ما عاد وطننا الملاذ الأول والأخير لنا كشباب لبنان. اخترنا الهجرة رغم مرّ نكهتها، إذ لمستقبلنا حقٌ علينا. لم يتوانَ من استطاع تأمين تكلفة تذكرة سفر المغادرة، بدل البقاء في دولةٍ انعدمت فيها كافة مقوّمات الحياة والقانون، فيما ركب بعضنا الآخر قوارب الموت، لانعدام الخيارت"....

لا شكّ أن هذا هو واقع غالبية شباب لبنان الذين يتأرجحون ما بين الابتعاد عن الوطن والأهل والأصدقاء، والبحث عن مستقبلٍ أفضل لهم في الخارج، لكنهم يفضّلون الغربة على البقاء في 
وطنٍ نهشت شريعة الغاب عظامه، وما هو مشهد تفلّت السلاح في البقاع إلّا خير دليل على ذلك.

ساءت الأحوال المعيشية في مشهدٍ غير مسبوق، وارتفعت أرقام مغادِري البلاد، لا سيّما في صفوف الشباب، وخصوصاً بعد انفجار مرفأ بيروت في الرابع من آب الماضي، إذ شهد مطار رفيق الحريري الدولي أرقاماً مرتفعةً جداً لجهة المغادرين بعد الكارثة، مقارنةً بما قبلها. "إلّا أن الأرقام، ورغم ارتفاعها، لا يمكن مقارنتها بأعداد السنوات الماضية، إذ لا زالت أقل من المعدّل"، وذلك حسب الباحث في "الدولية للمعلومات" محمد شمس الدين، الذي عزا الأسباب في حديثٍ مع جريدة "الأنباء" الإلكترونية إلى، "القيود المفروضة في دول الخارج لجهة تفشي كورونا، وعدم فتح المطارات بنفس القدرة الاستيعابية عن ما قبل تفشي الفيروس".

ورغم تدنّي الأرقام، إلّا أن شمس الدين لم يخفِ تقديراته، "إذ يتوجّه عددٌ كبيرٌ جداً من المواطنين اللبنانيين، وخصوصاً من هم ضمن فئة الشباب، نحو السفر والهجرة. فأعداد الطلبات في مختلف السفارات الأجنبية، ومنها كندا وأستراليا مرتفعةً جداً، وهم ينتظرون الموافقة فقط، إلّا أن ضوابط كورونا في الخارج تخفّف من وطأة المشهد قليلاً"، لكن وفي هذا السياق، يرى أن "الفترة القادمة، أي خلال فترة الثلاثة أشهر المقبلة، ستتوضح أرقام الهجرة أكثر".  

وبحثاً عن أسباب ارتفاع أعداد طلبات الهجرة، يشير شمس الدين إلى أن "نسب البطالة اليوم تبلغ 40%، بعد ما كانت 25% في الفترة نفسها من العام الماضي، وهي مرشّحة للارتفاع إلى حدود الـ 50% أو أكثر في ظل الأزمة الخانقة التي تشهدها مختلف القطاعات، والتوجّه نحو الإقفال النهائي، أو صرف الموظفين لتخفيف الأعباء المالية". 

إلّا أن شمس الدين لفت إلى أن، "زيادة هذه النسبة، أو تراجعها، هو أمر مرتبط مباشرة بالواقع الاقتصادي والسياسي، ورهن التطورات التي قد يشهدها البلد، في حال تشكّلت حكومة مثلاً".

من جهةٍ أخرى، لرئيس شركة "Lebanon Statistics" الإحصائية، ربيع الهبر، وجهة نظر مغايرة، إذ "وعلى الرغم من توجّه المواطنين والشباب إلى سفارات الدول الأجنبية في لبنان من أجل تقديم طلبات هجرة، إلّا أن جميع المغادرين في العام 2020 لا يمكن اعتبارهم مهاجرين، إذ معيار الهجرة يتطلب المكوث خارج لبنان على الأقل لمدة ثلاث سنوات، ما معناه أن المغادرين هذا العام لا يمكن عدّهم كمهاجرين بالمعنى التقني، وقد يكون عدد منهم توجّه إلى الخارج من أجل التعليم، أو بحوزتهم Green Card".

كما أنه وفي السياق ذاته، يذكّر الهبر في حديثٍ لجريدة "الأنباء" بأن، "فترة ما قبل قبول طلب الهجرة تمتد بين السنة والسنتَين، والأزمة الأخيرة لم يبلغ عمرها الـ 12 شهراً بعد، وبالتالي من غير المنطقي، ولا المقبول، ما يشاع في هذا الإطار".

ويتابع الهبر: "الأرقام أشارت إلى ارتفاع عدد القادمين إلى لبنان في العام 2020  (832,720) نسبةً إلى عدد المغادرين (811,813)، إذ بلغ الفارق العدد 20,907، بعد أن وصل في العام 2019 إلى 10,336 شخصاً، علماً أن عدد القادمين كان 253,7215، وعدد المغادرين بلغ 252,6879 شخصاً. وهذه مفارقة، سببها قرار الدول في مختلف أقطار العالم تسريح عدد كبير من العمّال إثر الأزمة المالية التي ألمّت بها، وانتشار فيروس كورونا، وبالتالي هؤلاء لبنانيون عادوا إلى وطنهم".

أما وبخصوص الطلبات المقدّمة عبر السفارات، ينفي الهبر القدرة على الحصول على أرقامٍ دقيقة في هذا الخصوص بعد أن أشيع رقم 300 ألف طلب في السفارة الكندية. كما أنه يؤكّد أن هذه الدول، "لن تستقبل هذه الأعداد الكبيرة، ولن يكون بقدرة السفارات حتّى إجراء المقابلات مع جميع مقدّمي الطلبات"، مذكّراً أن، "الجميع بات يستخدم خدمة الإنترنت، وبكبسة زر يستطيع تقديم طلب الهجرة". 

وعن نسب البطالة، يلفت الهبر إلى أن، "النسب في الأعوام الماضية كانت 21%، أما اليوم فيقدّر الهبر الزيادة بنسبة 3 إلى 4%، والشركة في صدد إقامة دراسة حالياً عن هذا الموضوع لتقديم أرقام دقيقة".

في جميع الأحول، الأرقام غير مطمئنة، فبعد أن أمسى نصف الشعب اللبناني تحت خط الفقر، وعدد كبير من شبابه عاطل عن العمل، جرس الإنذار ينذر بما هو أسوأ في القادم القريب أو البعيد، خصوصاً في ظل حال التخبّط الذي تعيشه البلاد على مختلف الأصعدة، ومنها الاقتصادي والاجتماعي والأمني.