التكنولوجيا: نهاية الطريق... ومَن المستفيد؟

05 تشرين الأول 2020 16:53:38

غنيٌ عن القول بأننا نعيش في عصر المعرفة الرقمية المتاحة للجميع على سطح هذه الأرض. هذه المعرفة الرقمية بلغت مستويات خيالية من التطور والشمول، وهو ما أتاح تأسيس شركات رقمية تفوق أصولها الصناعات التقليدية. وهناك شركات اليوم، مثل "أمازون"، تبلغ قيمتها عدة تريليونات من الدولارات، أي أنها تفوق ما تمتلكه دول عديدة من أصول، والجميع يعرف بأن صاحب هذه الشركة يُعتبر أغنى رجل في العالم وأن ثروته تعد بالتريليونات من الدولارات وليس بالمليارات. ويكفي أن نشير إلى أن هذا الرجل تمكّن من جني مليارات عديدة من الدولارات في خلال الأشهر الثلاثة الأولى من هذه السنة فقط (بعد الإجراءات المتخذة لمحاربة وباء كورونا، مثل التسوّق وتسليم السلع بواسطة الإنترنت). وليس المجال هنا لتعداد المزيد من تلك الشركات مثل غوغل، وفايسبوك، وغيرها الكثير. وجميع هذه الشركات إما أنها تساهم في التطور التكنولوجي أو أنها تعتمد عليه اعتماداً كلياً، لكن هناك مثالٌ آخر تجدر الإشارة إليه. هذا المثال هو إيلون ماسك، صاحب شركة سبايس أكس، وتسلا، والذي يكاد لا يعرف حداً لطموحاته، وهو الذي يريد عبر شركته "تسلا" أن تحل السيارات الكهربائية التي ينتجها مكان السيارات المستخدمة حالياً وهو أمر متوقع خلال العقدين المقبلين من السنين، وكذلك يريد أن يوفّر للبشر إمكانية السفر بين مدن الأرض بواسطة طائرات صغيرة تفوق سرعتها سرعة الصوت. يصل طموح  إيلون ماسك إلى صناعة صواريخ بإمكانها نقل البشر إلى كواكب أخرى في حال أصبحت الأرض مكاناً غير مناسبٍ للعيش، هذا بالإضافة إلى عشرات التطبيقات الأخرى التي ستظهر تباعاً في المستقبل القريب. 

ويشهد العالم، ومنذ العقود القليلة الماضية، طفرة هائلة في التقدّم التكنولوجي، وهو أمرٌ يستحق أن نتوقف عنده قليلاً، لنطرح السؤال: إلى أين تقودنا هذه الطفرة التكنولوجية؟ 

لا يمكننا في هذا المجال إلّا الاعتراف بأن التكنولوجيا قد غيّرت حياتنا تماماً عند استخدامنا كماً هائلاً من تطبيقاتها، وأن هذه التطبيقات قد فتحت أمامنا مجالات كبيرة ساعدت على تحسين مستوى معيشتنا في فترةٍ زمنية قصيرة نسبياً. وتعدّدت هذه الاستخدامات في مجالات الحياة العادية لتشمل المجالات الطبية، والصناعية، والتجارية، ووسائل النقل والاتصالات، وغيرها، والتي لا شكّ في امتلاكها فوائد ومنافع كثيرة، وهي منافع يعرفها الجميع، ولا فائدة من تعدادها.  

وأرى أنه من الأجدى لنا تسليط الضوء على الجانب الآخر من الصورة، أي الجانب السلبي، ومنها:

-    الهاتف الذكي. مَن منا لا يمتلك هاتفاً ذكياً؟ ومَن منّا لا يرغب في اقتناء أحدث الأجهزة منها، وإن كانت مرتفعة الثمن؟ لكن هل لاحظنا تأثير تلك الأجهزة على حياتنا اليومية، وكم نقضي معها من الوقت في تصفّح شبكة الإنترنت؟ والأخطر من ذلك هو أن اجتماعاتنا وسهراتنا العائلية (وحتى قبل جائحة الكورونا) لا تتم إلّا بمرافقة تلك الأجهزة، وبحيث أن الأحاديث العادية تكاد تغيب تماماً بين المجتمِعين. لكن المصيبة الكبرى هي أن الأطفال، بدءاً من سن السنتين، يتعلقون بما تعرضه الشاشات إلى حد رفض التخلي عنها خلال انشغالهم بالتلهي بما يسمى ألعاب الفيديو أو البرامج الأخرى، وحتى يكادون أن ينسوا مواعيد تناول طعامهم. ولا بد هنا من الإشارة إلى أن خطر هذا الإدمان المفرط أشد تأثيراً على الأجيال الجديدة.

إن كل ما سبق يعني أننا تخلينا عن الواقع الذي نعيشه فعلياً، وانتقلنا لا- شعورياً، وبشكلٍ متزايد، إلى الواقع الافتراضي الناتج عن تعلّقنا الدائم بأجهزتنا الخليوية الذكية، أو حواسيبنا المحمولة. وهكذا يتحول الواقع الافتراضي إلى الواقع الذي يسيطر علينا فعلياً ويشكّل جوهر حياتنا، أي أنّه يسلبنا الحياة التي اعتدنا عليها بما فيها من تقاليد وواجبات.

-    الذكاء الاصطناعي. تتسارع في هذه الأيام الأحاديث عن الذكاء الاصطناعي، وهو أخطر التطبيقات التي يعمل العلماء عليها على الإطلاق، وهو يشمل الروبوتات الذكية التي تأخذ في التطور بسرعة كبيرة وبإمكانها الحلول مكان البشر بصفة شبه كلية. وهناك مَن يتوقع لها أن تصل، في غضون عقودٍ قليلة، إلى مرحلة منافسة البشر في كثيرٍ من الأعمال والمهمات (وهناك في بعض البلدان مراكز تجارية كبيرة بإمكانك أن تتجول فيها وتتسوق ما تريد وتخرج مع مشترياتك دون أن ترى موظفاً واحداً). أما أخطر تلك المهمات فهي في المجالات الأمنية والعسكرية، وقد بدأ عدد من البلدان المتقدمة في إعداد روبوتات محارِبة موصولة بالفضاء العسكري السيبراني. هل لنا أن نتخيّل هذا الخطر الداهم رويداً رويداً، وما إذا كان ذلك الخطر سوف يظهر أكثر فأكثر في العقود القليلة القادمة. ولا شكّ في أن هذا التطور، وعلى الأخص في المجال العسكري، أو في غيره من المجالات، سوف يؤدي إلى تناقص فرص العمل المتاحة لجيل الشباب، وإلى تزايد نِسب البطالة، وهو الأمر الذي يتسبب في العديد من المشاكل الاجتماعية والاقتصادية. 

-    إدماج الذكاء الاصطناعي مع الذكاء البشري
 
لكن الخطر الأكبر لا يقف عند هذا الحد، بل يتعداه إلى ما هو أدهى. لقد أصبح العالم بأكمله سوقاً مفتوحة أمام الشركات العملاقة متعددة الجنسيات. ولا يقتصر الأمر على التجارة بالسلع والمنتجات، بل يتعدى ذلك إلى المعلومات، أي المعرفة الرقمية. وتبلغ قيمة هذه التجارة مليارات عديدة من الدولارات. وأخطر ما في الأمر أنه لا  قدرة لنا على مواجهة هذا الواقع، بل نقف مستسلمين أمام هذا التيار الجارف. وفي هذا المجال قال فرويد قبل قرنٍ من الزمن، "نحن نعيش في زمانٍ شديد الغرابة والتعقيد، وحيث عقَدَ التقدّم تحالفاً أبدياً مع النزعة الهمجية والبربرية". وإذا كان هذا هو الحال قبل قرنٍ من الزمان، فكيف هو اليوم؟

الواقع هو أننا نعيش مرحلة الكارثة بكل ما للكلمة من معنى: السيطرة. لم تعد سيطرة الدول الكبرى تقتصر على احتلال أراضي الدول الأخرى واستغلال ثرواتها الطبيعية، بل سمح لها التقدم التكنولوجي بالسيطرة على العقول. والحديث هنا لا يتعلّق فقط بالتأثير على آراء وتوجّهات الشعوب، بل بالتحكّم بها فعلياً عن طريق شريحة رقمية تُزرع في دماغ الإنسان. وهذه الشريحة ليست بحاجة إلى شبكة الإنترنت لأنها موصولة مع الأقمار الصناعية مباشرة وبإمكانها السيطرة التامة على الدماغ، وبالتالي تغيير حياته كلياً. وقد قام إيلون ماسك بتجربة هذه الشريحة فعلياً على الحيوانات منذ فترةٍ قصيرة. والجدير بالذكر أن فكرة غرس شريحة رقمية في اليد قد بدأت منذ سنوات، وكان الهدف منها إبقاء الوضع الصحي للمريض تحت المراقبة المستمرة بواسطة هذه الشريحة، لكنها تطورت الآن وسمحت بوضع كافة بيانات الإنسان الشخصية، والأجهزة التي يستخدمها، وحساباته المصرفية، تحت المراقبة الرقمية. وقد بدأت التجارب بالفعل على هذه الشريحة، لكن زرعها في الدماغ يحتاج إلى بضع سنوات لمحاولة تعميمها.  

يبقى المجال واسعاً عن التقدم التكنولوجي في ميادين صناعة الأسلحة النووية، والتي يتواجد منها الآن ما يكفي لتدمير العالم مراتٍ عديدة، وبرامج الفضاء التي تتخذ البحث العلمي غطاءً لها، لكن هدفها الحقيقي فرض السيطرة على الفضاء واستغلال موارد الكواكب القريبة منّا (نسبياً)، والتنافس في ذلك المجال، وحتى الحرب في  الفضاء، والتي أطلق عليها ريغان، الرئيس الأميركي السابق، اسم حرب النجوم.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: لمصلحة مَن يسير هذا التقدم التكنولوجي؟

-    البشرية بشكل عام: لا يمكننا إنكار أن التقدّم التكنولوجي يشمل كل البشر بشكلٍ عام، مثل الأطراف الصناعية، واللقاحات المضادة للأوبئة (بغضّ النظر عن الجوانب السلبية لبعض هذه اللقاحات)، وكذلك في الصناعات الغذائية، وعشرات الجوانب الأخرى. لكن، هل أن البشرية بأكملها هي التي تساهم في هذا التطور؟ ونعرف جميعاً أن عدداً قليلاً من الدول هي التي تقف في ضفة الإنتاج، بينما تقف بقية الدول (التي كان تسمّى نامية في الماضي) في ضفة الاستهلاك. يعني ذلك أن الغالبية العظمى من البشر لا حيلة لديها في تسيير وجهة هذا التقدّم سواءً نحو الخير أو نحو الشر. 

-    الدول الكبرى: رأينا أن الدول الكبرى (والعملاقة اقتصادياً) هي التي تتحكم بالتقدّم التكنولوجي، وبالتالي فهي تسيّره لمصلحتها. أليس العالم بأكمله سوقاً مفتوحة لهذه الدول؟

-    الشركات العملاقة: تشير بعض الوقائع إلى أنه حتى الدول الكبرى نفسها تخضع في سياساتها العريضة إلى الشركات العملاقة متعددة الجنسيات، مثل شركات صناعات الدواء، والغذاء، والأسلحة المتنوعة. ولعل هذه الشركات، بالإضافة إلى مؤسّسات أخرى، لا تظهر إلى العلن، وهي التي يُطلق عليها مصطلح الدولة العميقة Deep State، وهي الجهة التي تسيطر على الدول الكبرى، وبالتالي فإنها تقوم بتسيير وجهة التقدّم التكنولوجي بحسب خططها التي تعدّها للسيطرة على العالم بأكمله. 

ختاماً، لا بدّ من طرح السؤال مجدداً: هل أن البشرية، مع التقدّم التكنولوجي، تسير نحو الخلاص أم نحو الهاوية؟

 
هذه الصفحة مخصّصة لنشر الآراء والمقالات الواردة إلى جريدة "الأنبـاء".