لبنان والعراق وثمن انتظار نتائج الانتخابات الأميركية

04 تشرين الأول 2020 16:55:48

منذ أن أصبحت الانتخابات الأميركية حدثاً دولياً، لم تعد تقتصر انعكاسات نتائجها على الداخل الأميركي فحسب، إنما باتت معظم الملفات الساخنة الدولية، ومنها ملفات الشرق الأوسط، مشدودة الخيوط حتى إعلان تلك النتائج. كما يمكن اعتبار الأحداث والمواقف التي تسبق تلك الانتخابات تُربط بنتائجها بقدر ما تخدم هذا المرشّح أو ذاك، لتصبح مقولة ما قبل الانتخابات وما بعد الانتخابات مفتاحية في معالجة الأزمات، وفي بناء التوقعات وصياغة التحليلات، وهذا يؤكّد الهيمنة الأميركية على العالم، ويؤكّد أن نتائج تلك الانتخابات تحدّد فعالية تلك الهيمنة من قوتها وفق شخصية الرئيس والإدارة المحيطة به.


هناك أكثر من 97 % من ملفات العالم الوازنة والأساسية ترتبط بالإدارة الأميركية، وتتأثر بنتائج انتخاباتها، ومن بين هذه ملفات أزمات الشرق الأوسط المختلفة. وعلى سبيل المثال الملفّين اللبناني والعراقي المرتبطين بالعامل الإيراني، وبخلافاته مع الإدارة الأميركية، لذلك فإن مجموع الإنجازات التي حقّقها الكاظمي بدعمٍ من مرجعية السيستاني، وبالتنسيق مع الرئيس برهم صالح، وبدعمٍ من رئيس مجلس النواب محمد الحلبوسي، الذي التحق مؤخراً بهذا الركب، والتي أقلقت السياسة الإيرانية في العراق، واستنفرتها استنفاراً شديداً؛ والتي ترتبط بشكلٍ وثيقٍ بتنشيط دور الدولة ومؤسّساتها، ومحاولة الإمساك بمفاصلها، وضبط حدودها، ومكافحة الجريمة ومكافحة السرقات، والتي تتوافق مع المطالب التي أطلقتها ثورة الأول من تشرين الأول 2019، والتي نُفّذت بعد عملية اغتيال قاسم سليماني ورفاقه على يد الإدارة الأميركية.


لكن المراوحة التي أصابت حكومة الكاظمي، وتعثّر اندفاعتها في تطبيقها لوعودها لناحية حصرية السلاح بيد الدولة، وسعيها إلى الخلاص من التحكّم الإيراني في مفاصل المؤسّسات الحكومية والأمنية وفي الجمارك، سببها التصعيد الإيراني عبر ميليشياتها منذ بدأ الكاظمي انفتاحه على الخليج العربي، وإعلان عناوين الحوار العراقي – الأميركي بمعزل عن الموافقة الإيرانية، وتحديد موعد للانتخابات التشريعية المبكرة بمراقبة أممية.

ومنذ اندلاع الثورة العراقية اعتمدت إيران سياسة الاحتواء في العراق، وقبلت بمصطفى الكاظمي رئيساً للحكومة، ودخلت في توافقٍ غير مباشر مع الأميركي على إنتاج حكومة جديدة أوصلت الأزمة العراقية إلى ما هي عليه اليوم حيث يقف الكاظمي أمام أزمةٍ مفصلية، فهو غير قادر على الدخول في حربٍ مفتوحة مع الميليشيات المدعومة من إيران، والتي تطلق الصواريخ على القواعد الأميركية، وتهدّد البعثات الدبلوماسية، وهو غير قادرٍ على تحمّل مسؤولية قيام القوات الأميركية ضرب هذه الميليشيات بشكلٍ مباشر.

والتصعيد الذي مارسته الميليشيات العراقية الموالية لإيران ضد السفارة الأميركية، وضد أرتال التحالف الدولي، لم يدعُ الكاظمي لخوض معركةٍ مباشرة مع عصائب الحق، أو مع حزب الله العراقي، أو مع الأطراف الأخرى التي لديها استعداد للنزول إلى الشارع وإشهار السلاح بوجه السفارة الأميركية والقوات الأميركية في العراق، لذلك يقف رئيس الحكومة العراقية اليوم أمام مأزقٍ سياسيٍ وأمنيٍ اضطّره الى إرسال وزير خارجيته إلى طهران للتباحث في كيفية تهدئة الموقف، وكيفية تجاوز الصدام، خاصة وأن الموقف الأميركي متشدّد ويزيد من الضغط على الكاظمي للقيام بمهمة التصدي لتلك الميليشيات ومعاقبتها، وإلّا سوف تكون المواجهة مفتوحةً بين القوات الأميركية التي ستتولى مباشرة قصف الأهداف التابعة لتلك الجماعات.

يخشى الكاظمي الدخول في حربٍ مفتوحة مع فصائل الحشد الشعبي الأكثر ولاءً لطهران، لأنه يدرك أن هذه المواجهة ستؤدي إلى معركة مفتوحة مع الإيرانيين في العراق، وسوف تدفع بلاده نحو حرب أهلية جديدة، لا سيّما داخل الطائفة الشيعية ذاتها. كما يخشى أن تندفع القوات الأميركية في حربها ضد تلك الميليشيات ما سيؤدي إلى خلط الأوراق من جديد يحوّل العراق ساحة تجاذبات للنزاع الإيراني – الأميركي، خاصة وأن إيران تريد وتنتظر رد الفعل المباشر على ميليشياتها لتعيد تعزيز حضورها، وتعطّل إمكانية الذهاب إلى انتخاباتٍ نيابية مبكرة تخشاها وتخشى نتائجها.

والمشترك بين ما يجري في العراق من ضغوط على الميليشيات الإيرانية، وما يجري في لبنان من خلال العقوبات الأميركية على شخصياتٍ سياسية من أنصار حزب الله والمتعاونين معه، شكّل جرس إنذار أدّى إلى الإفراج عن إطار اتفاق التفاوض مع إسرائيل حول ترسيم الحدود البحرية والبرية بين لبنان والأراضي الفلسطينية المحتلة، حيث أن الأميركي تحرّك بعد انفجار مرفأ بيروت بشكلٍ موازٍ مع المبادرة الفرنسية، على الرغم من تباين التموضع والأولويات بين الطرفين. فترسيم الحدود البحرية والبرية أولوية أميركية، يتولّاها مساعد وزير الخارجية ديفيد شِنكر، بينما تبدأ المبادرة الفرنسية بتشكيل الحكومة وإجراء الإصلاحات، ووقف الانهيار.

والتصعيد الأميركي في بيروت محدود على عكس ما هو في العراق، حيث أنه لا يخضع للابتزاز المباشر كما هو الحال في العراق. وكذلك التصعيد الإيراني في لبنان هادئ، وما جرى من تعطيل للمبادرة الفرنسية كان بمثابة ردٍ إيراني مباشر يقول للرئيس الفرنسي إنك لا تمتلك الوزن الكافي لتمرير مبادرتك، وإن الحديث في لبنان هو مع الأميركي مباشرة. فإعلان إطار التفاوض الذي تلقّفه الأميركي، يدل على أن المفاوضات التي أجراها الرئيس بري مع شِنكر هي مفاوضات بالواسطة عن إيران وحزب الله، وبالتالي فإن عملية تعطيل المبادرة الفرنسية وعنوانها تشكيل الحكومة، والكلام العالي النبرة للرئيس الفرنسي، سقط أمام تقدّم ملف المفاوضات مع تل أبيب على ترسيم الحدود شكلاً، وضمناً على مصير لبنان ومستقبله برعاية أميركية. وليس صدفةً أن يتزامن إعلان الاتفاق مع حملة التطبيع العربية مع إسرائيل برعايةٍ أميركية، وغيابٍ فرنسي وأوروبي.

إعلان إطار التفاوض يشكّل نقطة تراجعٍ لحزب الله وإيران أمام الضغط الأميركي، في الوقت الذي تستمر إسرائيل في توجيه رسائلها إلى الطرفين في لبنان وسوريا، والتي كان آخرها رسالة عين قانا، حيث هزّ انفجار كبير موقعاً عسكرياً خاصاً بحزب الله، وسط تحليق مكثّف ومنخفض الارتفاع للطيران الإسرائيلي في أجواء الجنوب اللبناني، وتلك الرسالة تقول بأن ما جرى في المرفأ أصبح خلف إسرائيل التي لم تعد تخشى الإعلان عن مسؤوليتها في تفجير عين قانا، وهذا ما تشير إليه الصحافة الإسرائيلية بوضوح تام.


مما لا شك فيه أن الانتخابات الأميركية أصبحت المفصل الذي ينتظره الجميع، فالإيراني يعرف المكاسب والخسائر التي سوف تلحق به إذا ما عاد ترامب إلى البيت الأبيض أو لم يعد. وهو يعرف أيضاً الثوابت في السياسات التي يديرها الخبراء في الإدارة الأميركية العميقة، وكذلك يعرف ثوابت الملف اللبناني قبل الانتخابات وبعدها. لكن تلك الثوابت لا يمكن أن تكون هي نفسها في العراق، لأن التحديات أمام الكاظمي تختلف عن التحديات التي تواجه حزب الله في لبنان.