خطاب بوتين.. مقاربات جديدة

01 تشرين الأول 2020 07:53:01

بوتين لا يريد حرباً باردة جديدة، ولا سباق تسلُّح في الفضاء، ويرغب بالسلام ويرغب في تحقيق الاستقرار

على طريقة الزعيم السوفييتي الراحل فلاديمير لينين الذي كان شعاره «خطوتان إلى الأمام وخطوة إلى الوراء» هكذا بدا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في عيدها الماسي. وكان خطابه المنقول إلكترونياً - كما غالبية خطابات رؤوساء دول العالم - مقاربة دولية جديدة، تحمل بصمات تراجعية، وفيها تأكيد على مكانة روسيا بين كبار الأسرة الدولية في ذات الوقت.

في خطاب بوتين انكفاء واضح عن المواجهة القطبية الثنائية مع الولايات المتحدة الأميركية. فهو لا يريد حرباً باردة جديدة، ولا سباق تسلُّح في الفضاء، ويرغب في السلام، وتحقيق الاستقرار في البقاع المتوترة، وتوفير فرص معقولة لتسوية النزاعات الإقليمية، وإعادة التفاوض مع واشنطن للعمل بموجب معاهدة الحد من انتشار الأسلحة الاستراتيجية التي وقعها الاتحاد السوفييتي مع الولايات المتحدة عام 1987، وانسحب منها الرئيس دونالد ترامب في أكتوبر/ تشرين الأول 2018.

وفي مفاجآت خطاب بوتين، دعوته الأوروبيين ودول الجنوب الفاعلة لعدم التورُّط في الحرب الباردة الجديدة التي تلوح بالأفق ( قاصداً التنافس بين الصين والولايات المتحدة ) وهي خطوة تراجعية إضافية واضحة عن صدارة المشهد، لأن الحرب الباردة الدولية، غالباً ما كانت تحصل بين بلاده والولايات المتحدة. وتلك الإشارة لا تخفي حقيقة الموقف الروسي المُنزعج من المبالغة في فرض العقوبات المالية والإقتصادية، وشمولها عدداً كبيراً من الدول والشركات والأشخاص، داعياً الى إنشاء ممرات خضراء آمنة، لا تطالها مقيدات العقوبات، تساعد على إعادة النمو الاقتصادي العالمي الذي تراجع بشكل مُخيف من جراء جائحة كورونا، ولكي تسهم هذه الممرات الخضراء في إطلاق يد حركة رجال الأعمال، ومحارب البطالة المتفشية في صفوف الشباب في غالبية دول العالم.

وبوتين الذي استفاض في الحديث عن تراجع المودَّة في العلاقات الدولية، ركَّز على أهمية ميثاق الأمم المتحدة الذي ما زال صالحاً كقاسم مشترك بين شعوب العالم، وكمرجع للقانون الدولي العام، بعيداً عن الهيمنة الأحادية، وعلى عكس ما يتم الترويج له، بأن الأمم المتحدة لم تعُد المكان الصالح لمعالجة المشكلات الدولية، وفق مقاربة بعض صقور الإدارة الأمريكية، لأن هذه الإدارة التي تتحمَّل أعباء كبيرة من موازنة الهيئات الدولية، لا تستطيع السيطرة عليها، أو التأثير في عملها كما ترغب.

ومن نافل القول، أن الخطوة التراجعية الجديدة لبوتين، توضَّحت من خلال تشديده على أهمية دور مجموعة العشرين التي تضم أكبر الاقتصادات في العالم، وذلك في رغبة واضحة للهروب من «الحصرية» التي ترغب في تعميمها واشنطن، وبالتالي إشراك أكبر عدد ممكن من الدول الكبرى في التأثير في الحراك الدولي على مختلف المستويات.

وبدا بوتين أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة كأنه زعيم لمجموعة «دول عدم انحياز» جديدة عندما تطرق إلى تجنُّب الولوج في الصراع الحاد بين الصين والولايات المتحدة، خصوصاً في الملفات التجارية والاستراتيجية الأخرى، وأن بلاده لا ترغب في الدخول في نزاعات دولية كبيرة، بل على العكس من ذلك، فهي تدعو الى تسوية الخلافات بالطرق السلمية، ولديها رغبة في التفاهُم على منع عسكرة الفضاء، وحفظ سلامة الأجسام الفضائية.

بوتين المنهمك في مجموعة من الملفات الداخلية التي أثارتها قضية المعارض الروسي نافالني، بعد أن تمَّ علاجه في المستشفيات الألمانية من آثار تسمم يثير الشبهات، يجهد من ناحية أُخرى للتخلص من المقيدات التي تفرضها عليه الأزمة الأوكرانية، واضطرابات بيلاروسيا، إضافة إلى مشكلات سوريا وجورجيا وبحر البلطيق والأزمة المستجدة بين أرمينيا وأذربيجان، ذلك أن هذه المشكلات تستنزف مقدرات روسيا، وتنهك فريق عمله المحدود.

المقاربات الدولية الجديدة التي طرحها بوتين أمام الأمم المتحدة، تخفي طموحات شخصية بالظهور في موقع حيادي وإيجابي على المستوى الدولي، وهو بالفعل يجهد لإيجاد حل للنزاع في سوريا عن طريق إنتاج دستور ديمقراطي جديد.

وتقديم أنصاره لطلب ترشيح بوتين لجائزة نوبل للسلام لعام 2021؛ ليس أمراً عادياً، أو أنه يمكن أن يحصل من دون علمه، فهي إشارة واضحة على رغبته في ارتداء عباءة السلام، وسلوك دروب تتجنب أكبر قدر من التشنج، وبالمحصلة، فهو يعرف أن الحرب الباردة، وسباق التسلح - لاسيما في الفضاء - كانت قد قضت على مكانة الاتحاد السوفييتي، وهو لا يريد إعادة الكرة من جديد.

المصدر: الخليج الإماراتية