الأمير وجنبلاط والشاذلي القليبي

30 أيلول 2020 15:18:00 - آخر تحديث: 30 أيلول 2020 15:23:58

كان الأمير الراحل صباح الأحمد الصباح من صفوة القادة الذي يتمتعون بالتواضع والصدق والنُبل والإنسانية والتسامح، ورافقته التقاليد العربية العادية البسيطة الى حيث ما وصل من مكانة رفيعة ومتقدمة بين أقرانه من الزعماء. وعلى هذه الخلفية تمَّ إختياره من قبل الجامعة العربية ومن منظمة المؤتمر الإسلامي ومن الأمم المتحدة التي لقبته بقائد العمل الإنساني؛ ليتولى مساعي صلح وسلام بين الشعوب والدول، عندما كان وزيراً لخارجية الكويت وبعد أن أصبح أميراً عليها.
 
ومن المآثر الكثيرة للأمير الذي رحل عن 91 عاماً؛ واقعةً درامية ولكنها طريفة، حصلت في 18آذار/مارس 1989 في منزل السفير الكويتي في منطقة المزة بدمشق، عندما كان الأمير نائباً لرئيس وزراء الكويت ووزيراً للخارجية ويترأس اللجنة السداسية العربية التي كلفها مجلس الجامعة العربية القيام بمساعي حميدة لحلّ الأزمة اللبنانية الدامية، وكان معه في اللجنة أمين عام الجامعة في حينه الشاذلي القليبي ووزراء خارجية السودان والجزائر والإمارات والأردن.
 
كان مقرراً أن تعقد اللجنة إجتماعاً مع قادة الأحزاب والقوى اللبنانية في الكويت، بعد أن تمكنت من جمع قادة الطوائف الدينية اللبنانية هناك في شباط/فبراير1989، ولكن إحتدام القتال في بيروت، وتمدده الى إشتباكات عنيفة في المناطق الشرقية بين القوات اللبنانية وفصائل الجيش التي كانت تتبع لقيادة العماد ميشال عون؛ حال دون إنعقاد هذا الإجتماع، وأستُعيض عنه بعقد لقاءات منفصلة في تونس، وفي مقر السفارة الكويتية بدمشق، على إعتبار أنها أرضاً كويتية. وقد وجه سفير الكويت في بيروت ودمشق دعوات الى قادة الأحزاب الوطنية والتقدمية اللبنانية ومسؤولين أخرين لحضور إجتماع مع أعضاء اللجنة العربية في منزل السفير في دمشق، وحصل الإجتماع، وحضره من الجانب اللبناني رئيس الحزب التقدمي الإشتراكي وليد جنبلاط ورئيس حركة أمل نبيه بري ( قبل أن يصبح رئيس مجلس نواب) ورئيس الحكومة الراحل عمر كرامي وأمين عام الحزب الشيوعي الشهيد جورج حاوي ورئيس الحزب السوري القومي الإجتماعي عصام محايري، وعدد آخر من ممثلي القوى الوطنية والإسلامية لا أذكر كامل أسمائهم.
 
تحدث الأمير الصباح في بداية الإجتماع طالباً المساعدة لإنهاء الأزمة اللبنانية، وإيقاف القتال، على أمل الذهاب الى مؤتمر مصالحة شامل سيعقد برعاية عربية ودولي ( من دون أن يذكر أنه سيحصل في مدينة الطائف السعودية) ثمَّ تلاه أمين عام الجامعة العربية الشاذلي القليبي، الذي وصف لبنان "بالبلد الصغير الذي يسبب أوجاع الرأس لأشقائه ".
 
طلب الحاضرون من الجانب اللبناني من جنبلاط التحدث في البداية، وكان قد بدا عليه الإمتعاض من كلام القليبي الذي ساوى بين المعتدي والمعتدى عليه، وفي إعتباره أن الإقتتال داخلي بين أخوة، من دون الإشارة الى التدخلات العربية والدولية التي تؤجج هذا الصراع. فوقف جنبلاط متوجهاً الى القليبي بكلام قاسٍ، قائلاً: إذا كنت تريدون إنهاء الأزمة في لبنان، فعليكم إقناع صدام حسين ( واصفاً اياه بكلمة قاسية ) بعدم ارسال أسلحة لميشال عون  "ومنها أسلحة كيميائية"، وعليكم أن تساعدوننا على الوقوف في وجه الإحتلال الإسرائيلي للجنوب، وفي مواجهة أتباع إسرائيل في الداخل، وليس صحيحاً أن الإقتتال يجري بين أخوة على أسباب تافهة.
 
وقف القليبي وقال لجنبلاط: لا أسمح لك بإهانة رئيس عربي (قاصداً صدام) بحضوري، فوقف جنبلاط ايضاً ورد بكلام عالي النبرة وبصوتٍ عالٍ، متهجماً على القليبي وعلى الجامعة، وقال بعض عروشكم مبنية على الرمال، وسترون ماذا سيفعل صدام بكم. تكهرب الجو الى درجة كبيرة وغادر القليبي قاعة الإجتماع في الطابق الثاني من بيت السفير، ولحقه بعض الحاضرين لإعادته، لكنه اشترط إعتذار جنبلاط منه قبل أن يعود الى الإجتماع.
 
تصرف الأمير الصباح رئيس اللجنة بحكمة متناهية لحل الخلاف، ولمتابعة الإجتماع، لأن إنفراطه كان سيؤدي الى إيقاف مساعي اللجنة العربية بالكامل. ولم يضغط على جنبلاط الذي كان قد رفض الإعتذار، لكنه طلب منه بمودة واريحية عربية، ذاكراً الإحترام والصداقة التي كانت تربطه بوالده الشهيد كمال جنبلاط، وطلب منه كلمة لتلطيف الجو بعد عودة القليبي الى الإجتماع، ثمَّ توجه الصباح الى القليبي الذي كان قد غادر القاعة، وقال له: جنبلاط عربي أصيل وأبن شهيد العروبة كمال جنبلاط، ولا يضمر أي عداء للجامعة ولا لدور اللجنة، وهو إنفعل بدافع الحرص على الدور العربي، وطلب من القليبي العودة وسيسمع كلاماً يرضيه. فعاد القليبي الى الإجتماع، الذي أفضى الى نتائج جيدة. وذهبت اللجنة لملاقاة العماد عون والرئيس سليم الحص والرئيس حسين الحسيني في تونس، فرفض الأول الشروع في مسيرة التهيئة لإتفاق الطائف، لكن إجتماع الطائف إنعقد في نهاية العام 1989، وبغطاء من البطريرك الراحل نصرالله صفير وغالبية القيادات المسيحية، وبحضور النواب الذين كانوا على قيد الحياة. ومندرجات الإتفاق الذي أنهى الحرب؛ تترنح اليوم تحت ضغوط الذين وقفوا ضده بالماضي، والذين كانوا يعملون في الخفاء لحصرية أعمال المقاومة بهم، وربما لتغيير الفكرة اللبنانية برمتها.