مع اقتراب إطلاقه.. هل سيتفوق اليوان الرقمي الصيني على العملات الأخرى؟

24 أيلول 2020 23:01:16

من المتوقع أن يُطلق بنك الشعب الصيني، نسخة رقمية من اليوان في أواخر العام الجاري، ويجري تسريع تنفيذ المشروع، استجابة لظهور عملة فيسبوك الرقمية، ليبرا، وتفشي فيروس كورونا.

وفي مقال نشره موقع معهد أبحاث السياسة الخارجية الأميركي، قال الكاتب روبرت موراي إن بنك الشعب الصيني أجرى اختبارات تجريبية في 4 مدن على الأقل، بمشاركة شركات أميركية، وعلى الرغم من إجراء مختلف البلدان أبحاثا بشأن إنشاء عملات رقمية خاصة بالبنوك المركزية، فإن الصين تمكنت من إحراز تقدم كبير في هذا المجال، حيث يبدو أنها ستكون أول اقتصاد يصدر مثل هذه العملة.

وسيكون اليوان الرقمي قابلا للبرمجة والتتبع، مما يعني أن الحكومة الصينية ستتمكن من مراقبة تدفقات رأس المال بشكل كبير وفرض قيود أو شروط مسبقة على استخدامات العملة، في المقابل، يشكل اليوان الرقمي تهديدا للمصالح الدبلوماسية والإعلامية والاقتصادية للولايات المتحدة وحلفائها.

وسيساعد اليوان الرقمي الصين في تدويل عملتها، والترويج لليوان كمنافس أو بديل للدولار الأميركي، ناهيك عن أنه سيمكّنها من توسيع قدراتها في مجال المراقبة، حيث ستوفر لها العملة الجديدة نافذة على النشاط الاقتصادي للمستخدمين داخل حدودها أو خارجها، الأمر الذي سيخول لها التحكم فيها.

كما سيسمح اليوان للصين بالالتفاف حول العقوبات وقوانين حظر الأسلحة وأنظمة غسل الأموال من خلال توفير بديل لنظام المدفوعات الدولية القائم على الدولار، والذي يخضع لمراقبة المؤسسات المالية الغربية.
أسباب وتحديات

تشمل الأسباب المعلنة لإصدار الصين هذه العملة خفض التكاليف المرتبطة بإدارة النقد الورقي وتحسين فعالية السياسة النقدية، ناهيك عن تسريع وخفض تكلفة المدفوعات الدولية ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب والأنشطة الإجرامية الأخرى.

كما يشعر بنك الشعب الصيني بالقلق إزاء اعتماد الصين الساحق على المدفوعات الإلكترونية، وفي حال انقطاع شبكاتها أو تعرضها للخطر، فلن يكون هناك ما يكفي من العملة الورقية المتداولة لتعزيز المبادلات التجارية، ما يتسبب في انهيار نظامها المالي.

وعلى الرغم من حرص بكين على السيطرة على تدفقات رأس المال ومراقبتها، فإن منصات الدفع الإلكترونية مثل تنباي وأليباي لا توفران لها درجة التحكم المباشر والمراقبة التي ستُمكنها منها عملة اليوان الرقمي.

وأشار الكاتب إلى أن المسؤولين الصينيين سارعوا في تنفيذ مشروع اليوان الرقمي عندما أعلن فيسبوك خلال شهر يونيو/حزيران عام 2019 عن نيته إطلاق عملته الرقمية "ليبرا".

ويعتقد بنك الشعب الصيني أن عملة فيسبوك تشكل تهديدا لليوان ولأنظمة المدفوعات المحلية في الصين، ونظرا لأن فيسبوك لن يدرج اليوان بين عملاته الاحتياطية، فمن المحتمل أن يؤدي استخدام ليبرا على نطاق واسع إلى تدفق رؤوس الأموال إلى الخارج، مما سيساهم بدوره في إضعاف اليوان.

ولقد أدت جائحة كورونا إلى بذل الصين جهودا حثيثة من أجل جعل مبادرة اليوان الرقمي حقيقة في أقرب وقت ممكن، وفي ظل تفاقم المخاوف من أن تكون الإمدادات النقدية الورقية حاملة للفيروس، عقّم بنك الشعب الصيني النقود وخزّنها لمدة تصل إلى 14 يوما.

من شأن اليوان الرقمي أن يمكّن الصين من مراقبة الإنفاق في إطار حزمة التحفيز التي قدمتها وتبلغ قيمتها 3.6 تريليونات دولار، وفي ظل تنامي اعتماد العملات الرقمية في المعاملات التجارية في الصين، ستفرض رقابة على هذه المعاملات، مع ذلك سيمكن اليوان الرقمي الذي يتم التحكم فيه مركزيا، الصين من تحقيق مستوى آخر من الرقابة.

وعلى الرغم من عدم تحديد موعد رسمي لإطلاقها، فقد توقع بنك "سيتيك سيكيوريتيز" (Citic Securities) الاستثماري الصيني طرح اليوان الرقمي رسميا بحلول نهاية عام 2020، وأكملت الصين تصميم اليوان الرقمي، وبدأت في إجراء الاختبارات التجريبية في عام 2019 لدراسة مدى استقراره وأمنه.

خصائص اليوان الرقمي

ونظرا لاعتبار اليوان الرقمي عملة قائمة على رموز مميزة وتكنولوجيا البلوكتشين (blockchain)، سيقدم التحديث والفوائد التي تسعى إليها الشركات والأفراد في جميع أنحاء العالم، كما سيتمكن مستخدمو هذه العملة من إجراء معاملاتهم دون الحاجة إلى مصرف أو وسيط آخر، وستكون بدورها محمية عن طريق التشفير القوي وسهلة التتبع عبر دفتر الأستاذ الرقمي الذي لا يمكن محو بياناته.

ومن الناحية النظرية، ستكون هذه العملة أكثر أمنا وسرعة من نظام سويفت الحالي، الذي يمكن أن تستغرق المعاملات بموجبه أياما لإتمامها، وكان هدفا لسرقات بملايين الدولارات خلال الفترة الأخيرة.

سيُوزّع اليوان الرقمي بطريقة تحافظ إلى حد كبير على القنوات المؤسسية للتوزيع النقدي، بالإضافة إلى مجموعة مختارة من البنوك التجارية، وسيُصدر بنك الشعب الصيني العملة وسيستردّها عن طريق شركة يونيون باي ومنصات الدفع.

وستوزع هذه البنوك والمؤسسات المالية على الشركات والأفراد من خلال محافظ رقمية يعتمدها بنك الشعب الصيني، وسيتمكن المستخدمون إما من إجراء المدفوعات أو تحويل الأموال عبر الإنترنت.

إضفاء الطابع الدولي على العملة

يعتقد المراقبون أن اليوان الرقمي بمثابة محاولة لتعزيز المكانة الدولية لليوان بشكل كبير، مما يجعله عملة تُستخدم في المعاملات اليومية في جميع أنحاء العالم، وعلى الصعيد المحلي، يمكن أن يكون استخدام هذه العملة إلزاميا للحصول على الخدمات العامة، مثل الرعاية الصحية والنقل العام وخدمات المرافق، كما أشارت الصين إلى أنها تريد استخدام العملة الرقمية خلال الألعاب الأولمبية التي ستقام في بكين عام 2022.

ونظرا لعدم الحاجة إلى حساب مصرفي ضروري في الخارج، يمكن لليوان الرقمي جذب حوالي ملياري شخص لا يمتلكون حسابات مصرفية في العالم.

ويُذكر أن السرعة الفائقة والحماية التي توفرهما معاملات اليوان الرقمي يمكن أن تجذبا العديد من الشركات الدولية المشاركة في التجارة مع الصين، مع شركاء تجاريين مقربين في آسيا وخارجها.

ولكن حتى الآن، أعيقت الجهود المبذولة لإضفاء الطابع الدولي على اليوان جزئيا بسبب ضوابط الصين على النقد الأجنبي وندرة الثقة في الحكومة الصينية باعتبارها راعية للثروة.

والواقع أن جعل اليوان الرقمي عملة دولية من شأنه أن يقلص من حاجة الصين إلى فرض ضوابط على الصرف الأجنبي عن طريق الحد من المخاطر المرتبطة بسعر صرف اليوان وتمكين الصين من توسيع قدراتها الرقابية في الخارج.

المراقبة والتحكم

وعد بنك الشعب الصيني بأن يحتوي اليوان الرقمي على خاصية "إخفاء الهوية الخاضعة للرقابة"، أي أن المعاملات لن تكشف عن هوية المستخدم، ومع ذلك، سيحتفظ بنك الشعب الصيني بالقدرة على مراقبة شبكة المستخدم بالكامل وتتبعها.

وفي الحقيقة سيخلق نظام اليوان الرقمي المكتمل، الذي يُحتمل أن يتم تفعيله من خلال سلسلة الكتل وغيرها من التقنيات، سجل حسابات دائما تملكه الحكومة وتسجّل فيه كل معاملة وتراقبها عبر محافظ المستخدمين الرقمية.

وهذه المراقبة ليست سوى جزء من التهديد الذي يشكله اليوان الرقمي، حيث إن العملة ستمنح الصين أداة قوية جديدة للتحكم في المستخدمين، وقد صرح بنك الشعب الصيني علنا بأنه سيكون لديه ولدى المؤسسات المالية التي توزع العملة القدرة على تجميد أي يوان رقمي أو حسابات متورطة في معاملات مشبوهة على الفور، كما يمكن للبنك استخدام قدرته، بصفته السلطة المركزية والمالك الحصري للنظام، لتشفير الكيفية التي تُنفق من خلالها الأموال.

مع ذلك، توجد استخدامات إيجابية لهذه القدرة، فعلى سبيل المثال، إذا خصصت الصين أموالا لإقراضها للشركات الصغيرة، فيمكنها ترميز اليوان الرقمي لتنشيطه عند الإيداع في حساب مؤسسة مماثلة.

وخلص الكاتب إلى أن السؤال المحوري المتعلق بالنجاح النهائي لليوان الرقمي يتمثل في ما إذا كان الناس والشركات مستعدين للثقة بالحكومة الصينية كمسؤول عن ثرواتهم وخصوصياتهم.