إستثمار في ملف النازحين... وتقديم أوراق اعتماد وتصفية حسابات

ربيع سرجون |

كشفت الجلسة الأخيرة لمجلس الوزراء المنحى السياسي الذي تتجه صوبه المجريات السياسية في البلد. أصبح واضحاً أن الاشتباك سيبقى قائماً، كما في الملفات السياسية كذلك بتلك الاقتصادية أو الاجتماعية التي تهمّ الناس وعلى رأسها الكهرباء. ولكن إلى جانب هذه التفاصيل اللبنانية التي ملّ اللبنانيون السماع بالاشتباكات حولها، وسئموا الوعود الرنانة. يبرز ملف خلافي آخر فتح في الجلسة الحكومية الأخيرة وهو ملف اللاجئين السوريين.

يستمر بعض الأفرقاء في المزايدة بهذا الملف، والاستناد إليه للذهاب إلى تطبيع العلاقات مع النظام السوري، وادّعاء الحاجة إلى زيارات متعددة ومتكررة إلى مسؤولين في النظام، لأجل البحث عن حلّ لهذا الملف، بينما الغاية الأساسية والحقيقة من تلك السياسات، ليست إلا تقديم أوراق اعتماد في إطار المساجلات الداخلية واستهداف القوى الأخرى في لبنان.

دخل التيار الوطني الحرّ في اشتباك مفتوح، وليس من السهولة إمكانية تسكيره، مع القوات اللبنانية. بدأ الاشتباك على طاولة الحكومة، إثر تشدد التيار الوطني الحرّ ورئيس الجمهورية بضرورة التنسيق مع النظام السوري لإعادة اللاجئين، بينما القوات اللبنانية تعتبر أن النظام هو الذي لا يعيد عودة اللاجئين، وهذا يظهر في أكثر من محطّة ومفصل، أولاً عدم توفير الظروف الآمنة لعودتهم، ثانياً أن الأسماء المقدّمة للراغبين بالعودة لا تحصل على موافقة من قبل النظام بذريعة أنهم مطلوبون أمنياً أو أنهم معارضون، وما يعنيه ذلك من عملية فرز سياسية للاجئين الراغب النظام بإعادتهم. وحتى  من حصل على الموافقة وعاد إلى سوريا، فهناك من مُنع من العودة إلى أراضيه الأصلية، أيضاً بسبب شروط النظام وغاياته التي تريد بعض المناطق خالية من سكانها بموجب عملية التغيير الديمغرافي. وهناك صنف آخر من اللاجئين الذين عادوا إلى سوريا، تمّت عملية اعتقالهم وزجّهم في السجون، أو إرغامهم على الذهاب إلى الخدمة العسكرية الإلزامية، وبالتالي عدم توفر أي ظروف آمنة لإعادتهم.

هذا بما يخص المسألة التقنية، أما سياسياً، فالأردن لديه علاقات سالكة مع النظام السوري، ولكن لم تحصل أي عملية لإعادة اللاجئين السوريين، وهذا يعني أن التطبيع مع النظام لا يؤدي إلى تأمين تلك العودة. والجميع يعلم أن ظروف عودة اللاجئين السوريين، لا يمكن ربطها بعلاقات مع نظام بشار الأسد، خاصة أن النظام لم يعد فاعلاً في سوريا كما في السابق، والقرار العسكري والسياسي السوري ممسوك من قبل الروس والإيرانيين، ويرتبط بجملة توازنات لا يمكنها الخروج على الإرادة الأميركية. وهذا يعني أن عودة اللاجئين مسألة مرتبطة بقرار دولي كبير، وبظروف يوفرها المجتمع الدولي والأمم المتحدة، ولا يمكن للبنان أن يحقق ما لا يمكن لكل المجتمع الدولي تحقيقه.

وعليه، تبقى إثارة ملف إعادة اللاجئين والتطبيع مع النظام السوري في لبنان، لها غايتان، الأولى هي المزايدة في هذا الملف لكسب الشعبية والادعاء بأن من يسعى إلى إعادة اللاجئين عبر التطبيع يهدف إلى إنقاذ لبنان من حالة تحول ديمغرافي تهدده، وبالتالي الاستثمار بهذا الشعار على صعيد البيئة المسيحية، وحشر القوات اللبنانية داخل شارعها من قبل التيار الوطني الحر.

أما الغاية الثانية، فليست إلا لتصفية حسابات لبنانية داخلية، طالما أن بعض المراهنين على استعادة بشار الأسد نفوذه اللبناني لا يزالون قابعين في زمن قد مضى، وأسرى ماضٍ لا يمضي، يعتبرون أن بمواقفهم هذه، ستتعزز مكانتهم أكثر في لبنان، وسيكون لديهم قدرة تأثيرية أكبر بوجه خصومهم. يغيب عن بال هؤلاء، أن الحياة موقف، وعندما يعزّ المرء نفسه، يجدها.