اصلاح القطاع التربوي: لو يعودوا الى كمال جنبلاط

19 أيلول 2020 11:53:41

تستمر رابطة اصدقاء كمال جنبلاط في نشر سلسلة من الابحاث والدراسات الكترونياً لتشكّل مادة توثيقية بمتناول اجيال من الشباب لم يتسنّ لها مواكبة نضال المعلم الشهيد كمال جنبلاط، والاطلاع على مشاريعه الاصلاحية الشاملة في السياسة والادارة والاقتصاد والتربية  والاجتماع والصحة والقضاء والبيئة ومكافحة التلوث. وفي الحلقة العاشرة تناولت "الاصلاح التربوي".

في رؤيته المستقبلية لما يجب ان يكون عليه لبنان الغد، لبنان الوطن والمواطنة ، تكوّنت لديه قناعة عبّر عنها في الفصل الاول من الميثاق الذي اعلنه سنة 1949 ليكون منطلقاً وسبيلاً لتحقيق هذه الغاية، من خلال تأسيس  الحزب التقدمي الاشتراكي. ففي الفصل الاول من مقدمة الميثاق الذي يحمل عنوان "الاتجاه الاول لمجرى التطور: الوعي والحرية " جاء في الصفحة 14 الى 18 ما يلي:

"ان العلوم البيولوجية وما تفرضه من استنتاجات تظهر لنا الحياة كأنها تنزع الى الزيادة المضطردة في مقدار وعي الكائن الحي وتطور الحياة. وعلى ضوء هذا الادراك يتضح لنا، من خلال عملية التطور غرض الحياة منا وفينا، واننا اداة مكلفة بتحويل التيار الحي  الزاخر بالامكانيات ، منذ فجر الحياة، الى فكر وشعور وقيم حق ومحبة وجمال . وعلى ضوء هذا الادراك ننوّه بأهمية المعرفة في قيام وبقاء المجتمع والمؤسسات البشرية، فتكون قيمة الشخص المنبثقة من المعرفة مرتكز جميع انواع النشاط الفردي والجماعي والحكومي.

ولذا، في حقل تثقيف البشر نعلن اهمية الفكر وضرورة تأسيس المعاهد والجامعات والمختبرات للعلم العالي في لبنان، وكذلك الاستديوهات والمعاهد للفنون الجميلة. وسوف نسعى لتأمين مجانية التعليم الابتدائي والثانوي للجميع والتعليم العالي للمتفوقين بنسبة تفوقهم."

وعلى ضوء هذه الرؤية خصص كمال جنبلاط الفصل الخامس من الميثاق لتوضيح هذه الرؤية وتحديد الاهداف المرجوة منها تحت عنوان: الحياة العقلية : التربية، الفكر، العلوم، الفنون"(ص. 90 - 101)

"اعلان اهمية المعرفة وضمان احترام حقوقها، وتعزيز الحياة العقلية، وايجاد وضع يضمن اقصى تفتحها فيما يهم الفرد والجماعة الانسانية.

-اعتبار الفكر قيمة بحد ذاته ومرتكزاً لكل نشاط بشري، واعتبار المعرفة مقياساً لكل عمل انساني ومصدراً للحرية والغبطة:
-اطلاق حرية الفكر في البحث عن الحقيقة و اكتناهها
-اعتبار المعرفة شفاعية بطبيعتها ، فلا حاجز في سبيل نشر الفكر.

-اعلان المعرفة حقاً للفرد وواجباً عليه وبذلك تتحقق الاهداف التالية:
-تأمين التعليم الزامياً ومجانياً في المرحلتين الابتدائية والثانوية ومجانياً في التعليم العالي
-انشاء المدارس الليلية للتعليم الابتدائي والثانوي والعالي والمهني
-توجيه التعليم الى نشر الحقيقة ونواميس الاخلاق الطبيعية باستهداف تحرر الفكر والنفع الاجتماعي وتنشئة العقل لتحقيق الانسان الكامل فرداً ومواطناً.

-جعل المعرفة كلاً تأليفياً متحققاً في شخص وبالتالي:
أ- بوضع نظام للمدرسين يعيّن اصول المهنة، باعتماد تدابير  ترمي الى تنشئة المعلمين تنشئة خلقية وفكرية متينة، بإنشاء دار معلمين عليا تكون معقلاً لرسل الفكر.

بتربية الحياة العقلية بتدرج موافق يقوم على:
-الشعور بالاستفادة فردياً وقومياً.
-الشعور باعتزازية المساهمة في التقدم العالمي
-جعل التربية قائمة على تفتيح المواهب لا على تكديس المعلومات وفقاً لمبدأ رأس منتظم  خير من رأس مشحون.

وفيما خص التعليم العالي:

-بتقوية الذهن جملة بثقافة عامة غنية، وبتخصيصه بغية اقصى الافادة منه
-بإنشاء جامعة نموذجية وبتأسيس معاهد عليا مستقلة للفلسفة والعلوم والفنون، وتزويدها بمستلزمات العمل : متاحف، مختبرات، مراكز ابحاث، وتنقيب علمي، قاعات عرض، ودور للتمثيل ودار اوبرا واستيديوهات للصناعة السينمائية".

وبعد معارضة شرسة مع الحكام، استبشر كمال جنبلاط خيراً بوصول الرجل المصلح فؤاد شهاب الى سدّة رئاسة الجمهورية وقرر قبول المشاركة في الحكومة، وفقاً لبرنامج تم التوافق عليه مع رئيسي الجمهورية والحكومة. ومما جاء فيه نذكر:

*برنامج وزارة التربية الوطنية العام :
"اعتبار وزارة التربية اساساً جوهرياً في تكوين الذهنية الاجتماعية اللبنانية وبالتالي في توحيد المفاهيم الوطنية وتركيز وحدة الشعب اللبناني. وفي سبيل ذلك يتوجب تعميم الثقافة وتوحيد مناهج التعليم والتوجيه التربوي العام واتخاذ التدابير العملية التالية:

-نشر التعليم الابتدائي المجاني وتوسيع التعليم الثانوي والمهني في مختلف المناطق، وتقوية المؤسسات التربوية بتعميم يوفر لها عناصر الكفاءة التعليمية والتجهيزات الفنية والابنية المدرسية الصالحة.

-العناية بالتعليم العالي وتعزيز الجامعة اللبنانية وتوسيع فروعها.

-رفع المستوى المسلكي لأفراد الهيئة التعليمية، وتوسيع دور المعلمين في المناطق، وتعزيز الارشاد التربوي.

-اعادة النظر في المناهج التعليمية وتوحيد الكتاب المدرسي وتخفيض اسعار الكتب المدرسية."
(من كتابه "اسس بناء الدولة اللبنانية وتنظيم شؤونها" ص. 304 - 305)

وبعد خروجه من السلطة بسبب تبديل الحكومات،  والفوز في الانتخابات النيابية سنة 1964 وتشكيل جبهة النضال الوطني، عقد كمال جنبلاط مؤتمراً صحفياً بتاريخ 17/10/1964 حدد فيه  برنامج عمل الجبهة ومما جاء فيه نقتطف:

"يتخبّط الوضع في لبنان وتتوالى الازمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الناجمة عن  تخلّف عهود الاستقلال عن اعتماد وتنفيذ مخطط اقتصادي واجتماعي وسياسي يرتكز على العلم والخبرة، ويعتمد على العدالة والمساواة والتضامن بين المواطنين. ولا تزال هذه الازمات قائمة، رغم المحاولات الاصلاحية التي قام بها العهد الشهابي، وتستدعي وضع مخطط جريء وشامل يتناسب مع واقع  التخلف والحرمان وتزايد السكان. لذلك وضعنا هذا البرنامج لعملنا النيابي بمثابة حد ادنى يمكن ان تطاله في كل حين يد الاصلاح."

وفي مجال التربية والتعليم، واستكمالاً لما تحقق من اصلاح اثناء توليه وزارة التربية سنة 1960، طالب كمال جنبلاط بتحقيق التالي:

1- تعميم التعليم الالزامي في المرحلة الابتدائية وتوسيع نطاقه في المرحلة الثانوية، وجعلهما مجانيين.
-احداث مصلحة لتوجيه التعليم الاساسي،وللتخصص وفق حاجة البلاد للتنمية والتطوير.
-تأمين مجانية التعليم العالي للمتفوقين.
-تعميم المدارس المهنية خاصة في المناطق
-توحيد برامج التعليم والكتب المدرسية
-تعزيز الجامعة اللبنانية واستكمال فروعها التطبيقية"

وفي مقال له لجريدة الانباء بتاريخ 25/2/1967، طرح كمال جنبلاط مشروعه الجامع لحل مشكلة التربية والتعليم في الحقلين العام والخاص ومما جاء فيه: "وهل نحن بحاجة لأعجوبة كدولة، اذا تبنّيناً منهاجاً للتعليم يجمع في ادارة واحدة لمصلحة واحدة بين التعليم الخاص والتعليم العام، فيستفيد التعليم العام الرسمي من مناهج التهذيب الاخلاقي والروحي المستخدمة في بعض المعاهد الخاصة ، ويستفيد التعليم الخاص خاصة في المرحلة الثانوية من المعلمين الرسميين المتخرجين جامعياً والحائزين على كفاءات كبرى، يقومون بواجب التعليم والتثقيف على افضل وجه واذ ذاك يكون دور الحكومة مراقبة مناهج التعليم الموحدة على يد كبار الاختصاصيين وارباب التربية من مدنيين وروحيين، وفي تمويل هذه المؤسسة التربوية المشتركة الجامعة لأفضل الاسس التربوية. فتخفف الاعباء عن كاهل المؤسسات التعليمية وعن الاهالي، وتضمن معاشات لائقة للمعلمين."

فعلى ضوء ما يعاني منه التعليم اليوم في التعليم الخاص وفي التعليم الرسمي هل من يفكّر في السلطة بدراسة حلول تنطلق من الافكار التي طرحها كمال جنبلاط لحل مشاكل التعليم سنة 1967 والتي لا تزال تتكرر ويعاني منها لبنان واللبنانيون الى اليوم؟