حيتان لبنان

17 أيلول 2020 16:35:00 - آخر تحديث: 18 أيلول 2020 11:18:38

لا فكاك للبنان من حيتانه. إنه شهر أيلول. شهر الحيتان، تسرح في المضائق والخلجان.

يعيش لبنان اليوم، في مضيقٍ شديد الضيق. انفجرت به المئوية، وأحالته إلى سفينة "تيتانيك" صادفَ رأسها رأس جليدٍ دهري فصدّعها، وتسربت وترسبت إلى الغرق، وصارت الحيتان تطوف حولها. تناطحها. تخمّها مثل الضباع الكاسرة. تراودها عن نفسها. تهدّد اللبنانيين فيها بالموت. وتترك لهم الخيارين الأشرسَين: بنيترات الأمونيوم، أو بالأورانيوم النووي، الأعمّ الأجرد والصريح.

حيتان لبنان يشبهون "حيتان الأوركا"، تشق طريقها الساحلي في شهر أيلول/سبتمبر. تنطلق من "خليج قادس" لمطاردة التونة في "خليج بسكاي". تخرج من مضيق جبل طارق، وتطارد القوارب الشراعية على سواحل إسبانيا والبرتغال. فيأخذ الناس بالاستغاثة. تصدم القوارب من الخلف. تتفاعل معها، حتى تحتك بالدفة. فتخرج السلطات بمطالبة القوارب بالابتعاد، غير أن البحارة في المضيق يعانون المخاطر، ويتقاسمونها مع السكان.

 حيتان لبنان، قوى السلطة، تحاصر القارب الحكومي، يقوده الربان اليافع، محروساً لئلا يقع فريسة الحيتان.

كم يطول الأمر بالحيتان، تهدّد سكان لبنان. كم يطول الأمر، بهؤلاء. أمسكوا بالقارب، أكثر من مئة عام. ثقبوا جوفه. حطّموا أخشابه. قتلوا، وأحرقوا، ونالوا من أقداسه. جعلوا الدماء تسيل في أرجائه.

حيتان لبنان، يخرجون اليوم في مهمة جديدة: حرق السفينة بمن فيها. تراهم يصطفون منذ الصباح خلف البحار، يرصدون كل أفق، لعله يحمل إليهم نبأًجديداً من حوت بعيد.

 حيتان ترصد حيتاناً تنتظر خلف البحر. تنتظر منه فريستها.


* أستاذ في الجامعة اللبنانية