ليبيا والعلاقات المصرية التركية

17 أيلول 2020 07:11:38

مصر لن تسمح بإعادة الفوضى الى المنطقة العربية المحيطة بها، ولا بإعادة تسويق المشروع «الإخواني» المتطرف

بين مصر وتركيا سجل حافل من العلاقات التي تخضع للتعاون أحياناً، ولكنها غالباً ما حملت توتراً حول مجموعة من الملفات. وخطاب الرئيس التركي رجب طيب اردوغان منذ ثورة 30 يونيو/ حزيران 2013 المصرية، حمل عداء واضحاً للنظام الجديد الذي قاده الفريق عبد الفتاح السيسي، واعتبرت أنقرة ما جرى في القاهرة انقلاباً على الرئيس الإخواني محمد مرسي.

وتذكِّر المواقف التركية الحالية تجاه مصر، بحقبات تاريخية غابرة، كانت فيه الصداقة اللدودة بين باشاوات مصر وسلاطين بني عثمان، تتحول الى تمرّد من المصريين على السلطنة أحياناً، أو إلى تآمر وحروب أحياناً أخرى.

وتحاول الإدارة السياسية التركية إستعادة أمجاد السلطنة العثمانية، خصوصاً في المناطق التي كانت تخضع لنفوذ اسطنبول قبل عام 1923. وقد اختار الرئيس رجب طيب أردوغان ليبيا كمدخل استراتيجي لدفع العجلات التركية للتوغل في منطقة شمال إفريقيا العربية، وبالتالي محاصرة الاندفاعة المصرية التي أوقفت التمدّد «الإخواني» بعد سقوط نظام مرسي، وأثرت سلباً في نشاط الجماعات الإخوانية المتطرفة في ليبيا، وعلى درجة أقل أهمية في تونس والجزائر أيضاً. وليس من قبيل المصادفة أن يختار أردوغان البوابة الليبية، فهو قال: إن العلاقة التي تربط بلاده مع ليبيا تمتد الى 500 عام. ومن ناحية أُخرى، فهو يرى في الانقسامات السياسية والعسكرية الحادة بين اللليبيين فرصة ذهبية للتدخل، وبالتالي دعم حكومة الوفاق برئاسة فايز السراج في العاصمة طرابلس بالمرتزقة، والسلاح، لتغيير موازين القوى في البلاد، ومحاصرة الجيش الليبي الذي يقوده المشير خليفة حفتر، الذي يؤيده برلمان ليبيا المنتخب، وله صداقات واسعة مع القيادة المصرية.

الموقف المصري الحازم في منع التمدد التركي في غربي ليبيا، وتهديد القاهرة بالتدخل العسكري المباشر إذا ما تجاوزت الميليشيات المدعومة من تركيا الخط الأحمر قبل مدينة سرت ومنطقة الجفرة؛ أعاد خلط الأوراق، وحدّ من الاندفاعة التركية. وقد واكب هذا الموقف المصري المتشدد ضد التدخل التركي؛ تأييد من أغلبية الدول العربية، وارتياح في عواصم دولية، لاسيما في موسكو التي تدعم المشير خليفة حفتر، وفرنسا التي تعتبر الانفلاش التركي بمثابة تهديد للأمن والسلام الأوروبي.

وتركيا تعترف بأن مصر بعد 3 يوليو/ تموز 2013 - أي بعد الثورة الشعبية على حكم الإخوان وتأييد الجيش لها، أجهضت كامل المشروع «الإخواني» المؤيد لها، وكانت أنقرة تطلق على المشروع «محور الديمقراطية». ولكن أنقرة كانت تعتبر أن إجهاض قوة هذا المحور؛ جاءت «بمؤامرة عربية ودولية» لمحاصرة الربيع العربي، وتقويض سياسة تركيا.

أما مصر، فقد اعتبرت التدخل التركي في الشؤون العربية، ولاسيما في شؤون مصر الداخلية، بمثابة العدوان، وقد لجأت الى طرد السفير التركي من القاهرة في نوفمبر/ تشرين الثاني 2013، لكن حجم المصالح التجارية بين البلدين الذي كان يقارب 5 مليارات دولار؛ فرض نوعاً من الواقعية السياسية على سلطات البلدين، وأعيدت العلاقات بينهما. وقد لعب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، دوراً مهماً في تقريب وجهات النظر بين الرئيسين السيسي، وأردوغان، مطلع عام 2020، كما أن المواقف التركية في الفترة الأخيرة تضمنت رسائل تطمينية متعددة لمصر، وكانت تستهدف تهدئة غضب القاهرة من خطورة التنقيب التركي عن النفط والغاز في شرقي المتوسط على المصالح المصرية، لكن القاهرة لم تركن الى هذه التطمينات، وكانت أقرب الى الموقف الفرنسي واليوناني اللذين عارضا بشدة التحركات التركية الأخيرة.

وفي الطموحات الأردوغانية المتجددة؛ أمل بالاستفادة من الاحتياط النفطي في ليبيا من خلال تنامي نفوذها على مجموعات حكومة الوفاق في طرابلس، وتركيا ترى أن الاتفاقية التي أبرمتها مع هذه الحكومة في ديسمبر/ كانون الأول 2019، يمكن أن تساعدها على تسويق رؤيتها لتقاسم الحدود المائية في شرق المتوسط. لكن مصر ومعها اليونان وفرنسا، لم تعترف بهذه الاتفاقية، على اعتبار أنها تتعارض مع اتفاقية أعالي البحار الدولية، إضافة الى كون البرلمان الليبي المنُتخب لم يصادق على هذه المعاهدة كما تقتضي الأصول الدولية.

ومن المؤكد أن تركيا بدأت تُعيد النظر في الانفلاشة البحرية والبرية التي قامت بها مؤخراً، ومصر لن تسمح بإعادة الفوضى الى المنطقة العربية المحيطة بها، ولا بإعادة تسويق المشروع «الإخواني» المتطرف. لكن المعطيات الموضوعية لا تؤشر الى أن الدولتين اللدودتين ستصلان الى حافة المواجهة العسكرية المباشرة.