مخاطر تواجه الهلال العربي الخصيب

15 أيلول 2020 18:28:07

منذ زمنٍ بعيد، لم يسبق أن تعرَّض الهلال العربي الخصيب الى مثل التحديات التي يتعرَّض لها اليوم، وتكاد الأطماع من الدول المجاورة له، إضافةً الى إسرائيل تتجاوز كل الحدود. 

وبينما تعتبر تركيا أن معاهدة لوزان للعام 1923 إنتزعت منها أراضٍ في شمال العراق وسوريا، وهي تريد العودة إليها بعد مئة عام، يتغلغل الإنفلاش الإيراني في كل زاوية من زوايا الدول التي يتشكل منه الهلال، بما في ذلك فلسطين. 

وبين هذه وتلك من الدول الإقليمية الكبرى؛ تبدو إسرائيل الغاصبة في وضعٍ مريح الى أبعد الحدود، وهي تتمادى في العدوان على الفلسطينين والسوريين واللبنانيين، مستغلةً حالة التراجع العربي، ومستفيدةً من الأطماع التي بدتعند القوى الأقليمية الكبرى، لتبرر عدوانها.

كان أول مَن استخدم مصطلح "الهلال الخصيب" عالِم الآثار الأميركي جيمس هنري برستد، من منطلق جغرافي ليس إلا، على إعتبار أن هذه البقعة من العالم العربي غنية خصبة" بالمياه والتربة وبالآثارات، ومنها تمددت حضارات مُتعددة عبر التاريخ. والهلال يمتد من البحر الأبيض المتوسط في الغرب الى الهضاب الإيرانية في الشرق، ويضم حالياً: العراق وسوريا والاردن وفلسطين ولبنان. وفي ثلاثينات القرن الماضي؛ كثُرَ إستخدام المُصطلح عندما تأسس الحزب السوري القومي الاجتماعي، الذي إعتبر في أدبياته؛ أن الهلال الخصيب هو ذاته "سوريا الكبرى" التي تُشكِّل جزءاً من الإمتداد العربي الذي يتكامل مع الأجزاء الأُخرى في الجزيرة العربية ووادي النيل والمغرب العربي.

الجذور العربية "السامية" واضحة في تلك المنطقة، وشعبها يتمتع بمُميزات واحدة من حيث الثقافة واللغة وفي عادات الطعام والشراب، وغالباً في فن العمارة وفي ممارسة مِهن الصناعة والتجارة والزراعة.

وكانت تلك المنطقة ركيزةً في تاريخ الحضارة العربية والإسلامية، ونشأت فيها الدولة العباسية والدولة الأموية اللتين أغنتا التاريخ العربي بالعلوم والفنون، وتواصلت بلاد الشام وحوض دجلة والفرات مع المساحات العربية الأُخرى في مناطق الجزيرة ومصر والمغرب، لتُشكِل ما يُشبه الوحدة السياسية، بحيث كان إستهداف أي من هذه المناطق، إستهدافاً للعرب عامةً.

وفقاً لهذه الإعتبارات تمَّ تصنيف الحملات الصليبية مع بدايات الألفية الثانية، وعلى تلك القاعدة العدائية ذاتها كانت غزوة المغول في منتصف القرن الثالث عشر. اما الدخول التركي في القرن السادس عشر، فقد كان إحتلالاً لبلاد العرب، ولو أنه كان مُغلفاً بالطابع الإسلامي.

في فلسطين – قلب الهلال العربي الخصيب – هُزم الإفرنج في معركة حطين التي قادها صلاح الدين الأيوبي عام 1187، وفيها ايضاً هُزمت جحافل الغُزاة التتار والفرس والمغول الذين قادهم هولاكو في عين جالوت في العام 1260، وتراجع الأتراك منهزمين عن هذه البقعة العربية عام 1919. اما الإستعمار الغربي (البريطاني  والفرنسي) فقد فشِل ايضاً بالبقاء على هذه الأرض، لكن الكيان الإسرائيلي الذي زرعه هذا الإستعمار ما زال قائماً.

كل الغزوات والإحتلالات، كانت ترتكز على محو المعالم العربية عن هذه البلاد. وبعضهم كان يدَّعي زورا: أنه "يستعيد بلاد احتلها العرب ". 

لم يتمكن كُل هؤلاء من النيل من العروبة الصافية التي تتجذَّر في شعوب بلاد الشام وحوضي دجلة والفرات. اما الهلوسات والمُغالطات الصهيونية حول فلسطين، فهي ستلاقي ذات المصير من الهزيمة، ومهما طال الزمن.

مناسبة الكلام عن هذا الموضوع اليوم؛ هو تعرُّض دول في "الهلال الخصيب العربي" الى إضطراباتٍ واسعة، لم تشهدها المنطقة منذ قبل، خصوصاً في لبنان وسوريا والعراق. 

وتترافق هذه الإضطرابات مع إختلالاتٍ بنيوية تُصيب التركيبة الديموغرافية في هذه الدول بتشوهاتٍ واسعة، وتُباعِد ما بين المكونات السكانية؛ كأنهم لا ينتمون الى مرجعيةٍ حضارية عربيةٍ واحدة، كما هو عليه الحال. فنسمع مثلاً أن العراق يتألف من "المكون الشيعي" ومن "العرب السُنة" ومن الكلدان والأكراد.

بينما واقع الحال، أنه يتكون من شعبٍ عربي واحد، يعيشُ في كنفه منذ زمنٍ بعيد مجموعة من المسلمين الأكراد وغيرهم. أما سوريا التي تعتبر قلبُ العروبة النابض: فقد شوَّهت الحرب معالمها، ودخلها الغرباء من كلِ حدبٍ وصوب، وأصبح شعبها العربي الأصيل، مجموعاتٍ متباعدة، وهي تحتاج الى جهودٍ جبارة لإستعادة اللُحمة الوطنية والقومية الى صفوف شعبها.

وتترافق مع الإنشطارات الجيوسوسيالية في "الهلال الخصيب العربي" هجمةٌ إعلامية غريبة من مصادر مجاورة او دولية، تزرع الشكوك، وتخلق الأكاذيب حول الإنتماءات التاريخية لشعوب هذه البلاد، مصورةً الشعب العربي الواحد، كأنه مجموعة من المكونات التي يرجع تاريخ كُلٍ منها الى أنسابٍ مختلفةٍ عن الأخرى.

وكما الحركة الصهيونية تحاول التفريق بين مكونات الشعب الفلسطيني الواحد، وتقسيمهم بين عربٍ ودروز ومسيحيين وشركس وبدون. تحاول بعض الجهات المستفيدة من التراجع العربي، أن تبُثَ السموم في الذاكرة العربية والمشرقية، مُستغلةً المآسي التي أصابت العرب في العراق وفلسطين وسوريا ولبنان.

أحدهم من الذين يصنفون أنفسهم بالمرجعية لأحد الديانات في ولاية مريلاند الأميركية، وهو من أصول مشرقية، نشر مقالاً: يدعي فيه "أن شعوب بلاد الشام والعراق، هم من الروم والسريان والكلدان والآشوريين والأقباط والفينيقيين والفراعنة، ونطقهم بالعربية، لا يعني أنهم من العرب... 

تكاد تكون صعوبة المرحلة التي تعيشها الأُمة العربية اليوم، متساوية مع إخفاقاتٍ قاسية مرَّت في أزمانٍ غابرة، لا سيما أيام غزوة هولاكو منذ ما يُقارب الثمانمئة عام. فهل يستفيق بعض الغافلين، ويتعاون جميع العرب لمواجهة الأخطار الوجودية المُحِدقة من الشمال التركي ومن الوسط الذي تسيطر عليه إسرائيل ومن الشرق حيث الإنفلاش الإيراني المُخيف؟