جادة اللهو

08 أيلول 2020 11:10:00 - آخر تحديث: 15 أيلول 2020 13:20:27

على حين غرّة، أيقظتني صورة الدمار الشامل، لمرفأ بيروت، عصر المدينة، وقبيل غروب شمسها بقليل.

فجأة كنت أمام نفسي، أعيد على مسامعي، صوتا يغور في أعماق القاع: «الناس نيام، فإذا ماتوا إنتبهوا». ثم أراني مذهولا. يرجع إلي الصدى: ناموا... ماتوا... إنتبهوا.

بسرعة الصورة التي سبقت الدوي، تجسّم لي «اللهو»، الذي ما خطرت صورته على بالي من قبل.

طفل يلهو بألعابه فيكسرها. رجل يلهو بأتعابه، فيحطمها. شعب يلهو ببلاده، فيمزقها. أب يلهو بعائلته، فيقتلها. مسؤول يلهو بكرسيه، فيخلعها. عدو يلهو بأعدائه. بلدان تلهو بغيرها، جيش يلهو. قطاعات تلهو. وزارات تلهو. رئاسات تلهو. صحف، إذاعات، تلفزات، أخبار، إعلام، معابد، رجال معابد. كهنة كهوف، عرافون، قيافون، أسلاك دولة، موظفون، مربون، جامعيون، أصحاب رسالات، ورجال مهمات، ورجال أعمال. تلاميذ مدارس وطلاب جامعات، وفلاسفة وجهابذة ومخترعون.

هؤلاء جميعا، وربما غيرهم، وأكثر منهم، رأيتهم، بأم عيني، وأنا أقف على جسر الكرنتينا، ألهو بسلك لهاتفي، على الرصيف، أمام حانوت صغير، وعائلتي، قبالتي في إستراحة للعابرين. يلهون بكعكة، أم عبوة ماء، أم «قمع بوظة». صاروا جميعا، تحت الطاولات يلهون بالهول. ويلاعبون الخوف والموت مع أمهم. مثل فئران شاردة، تحت هيكل متداعٍ، لبناء مهجور، منذ زمان قديم.

وقفت شاخصا، مثل «تمثال البشعلاني» المعدني: المهاجر الأول، على مفرق المرفأ. أنبهني الدوي الإستباقي، مصحوبا بكتلة من لهب: سوداء وحمراء. ثم تجمدت في برهة الدوي الأعظم، مصحوبا بالهالة المهلكة البيضاء، مثل تاج من الفطر.

تجمدت. مت. فاتني كل شيء حولي للحظات. ثم أفقت من جديد. وإذا الدنيا كلها، دنيا أخرى. أختفى جميع من كانوا حولي. تبخروا ذرات ضئيلة في الفضاء. جميع من في صالة العرض، رأيتهم بعيني، يلهون تحت الكراسي والطاولات المحطمة، مثل فئران الحانات والحوانيت. كنت لا أميّز عائلتي بينهم. خرجوا من تحتها. تعلّقوا بأثوابي، فإنتبهت.


«جادة اللهو»، إنقلبت على ناسها.إتسعت للجميع في برهة الخوف والموت.

رأيت المسؤولين يلهون تحت حطام المرفأ. رأيت المسؤولين يلهون تحت حطام الوطن. رأيت أمم الأرض، تلهو تحت حطام بيروت. رأيت شعبي لاهيا، يخرج إلى الجادة، يعبث بنفسه. ينكث لمّته المبعثرة ويافوخه المنفوخ بين يديه العابثتين يلهو بتاريخه المهجور.

رأيت بأم عيني، مسؤولين مذعورين مثل جرذان المجارير الشاردة في «برية آدم». يزحفون على بطونهم، فوق حطام نفوسهم. فوق حطام مكاتبهم، فوق حطام مدينتهم، فوق حطام قصورهم: فوق حطام الوطن. يلتقطون حطامهم، من قاع الجادة المروية بلعابهم ودمائهم.

جادة اللهو إتسعت أخيرا مسرحا للجميع. تراقصنا عليها جثثا وجرحى وأشلاء دماء. وفئران حوانيت وجرذان مجارير سوداء. وراءهم جرذان وجرذان وجرذان. أفقت فجأة من الموت.

يا للهول. وجه المدينة. واجهتها. مرفأها، حجرة عينها، محجرها، أشلاء.. أشلاء.

«الناس نيام. إذا ماتوا إنتبهوا».

 

* أستاذ في الجامعة اللبنانية