ومتى تحرقون الدولة الهشيم؟

11 أيلول 2020 09:09:05

كتب راجح خوري في "النهار":

لم يعد السؤال ما الذي جرى في مرفأ بيروت في الرابع من الشهر الماضي، وكان رابع أكبر انفجار في العالم، ففي وسط الصورة المعيبة التي تتألف منها هذه الدولة، دولة المسخرة والفوضى والمحسوبيات والضياع الكامل، ليس من المتوقع ان تنجلي حقيقة ما جرى وكيف، ولماذا، ومَن المسؤول، وهل كانت هناك فعلاً عملية تفجير مدبّرة، أم حريق في العاب ومفرقعات نارية ويا للسخرية، ام انه كانت هناك عملية قصف صاروخي إسرائيلي استهدف مخازن صاروخية واسلحة مخزنة في العنبر المشؤوم كما قالت روايات غير مؤكدة؟

الأسئلة الحائرة والغموض المتراكم منذ أعوام في مرفأ الفلتان والنهب تزيد عن عدد شعر المسؤولين في هذه الدولة، التي لم تتوانَ عن القول انها ستعطي نتيجة التحقيق الذي تجريه في خمسة أيام، رغم ان ما أحاط بالزلزال الذي دمر بيروت وهزّ اركان العالم، يحتاج الى تحقيق دولي قد لا يصل الى نتيجة واضحة قبل خمسة أعوام أو خمسين عاماً.
لكن السؤال الأهم: متى سيقوم هذا الشعب اليائس والمسكين والمقهور والمدعوس، الذي فقد أطفاله ورجاله ونساءه ومنازله ومستقبله وأمله ويقينه ورجاءه، بإشعال النار في هشيم هذه الدولة الغبية النائمة والعمياء كي لا نقول العميلة والمتآمرة، وخصوصاً في ظل الفضائح التي لا تصدَّق، فكيف يمكن ان يصدِّق الناس ان المرفأ هو بركان فيزورف مثلاً، لتندفع النيران من جوفه فجأة دائماً ولا من يتوقع ان يتحسب او يكون على استعداد، فتغرق بيروت مرة جديدة في الذهول والرعب الذي دبَّ امس بعدما وصل دخان الحريق الهائل الى كوكب المريخ وملأ سماء لبنان؟

الكارثة انه بعد الإنفجار النووي الأول، كان يُفترض ان يكون المرفأ ساحة عمليات وتحقيقات وتفتيش وتدقيق في كل ورقة من عنابره وزواريبه ومغاوره ومقرات لصوصه والمسؤولين فيه، والمفترض في الحد الأدنى ان تكون كل أجهزة الدولة تحت، تتفقد مساحات الجريمة الهائلة، والمفترض ايضاً كما قيل ان هناك خبراء من الدول الأوروبية يساعدون في ورشة إزالة الركام والتحقيق في كل شاردة وواردة لمعرفة حقيقة ما جرى في التفجير النووي الأول. ثم فجأة يندلع ثاني حريق قبل أيام وترتفع ألسنة النار والدخان، ويا للمسخرة كيف ولماذا وأين تنامون أيها الأشباح، وقبل ان ينسى هذا الشعب المسكين الذي لم ينفجر بعد كقنبلة انتحارية تقتلع هذه الدولة من جذورها وتلقيها في قاع الدمار، إندلع امس حريق هائل لساعات، ولم يكن السؤال اين كنتم وأين تنامون أيها المسؤولون وفي أي رماد تدفنون رؤوس النعامات التي تحملونها؟

لا ليس هذا السؤال، السؤال الذي كيف يمكن لعاقل ان يصدق ان هذه دولة لا تستحق الحرق، فالناس على امتداد ساعات لم يتمكنوا من ان يعرفوا على الأقل ما الذي يحترق بهذه الطريقة المرعبة، التي دفعت الكثيرين الى مغادرة منازلهم القريبة والهرب خوفاً من ان تكون هناك نيترات مخبأة تنفجر فتقتل مَن تبقّى منهم ؟

قالوا إن هناك زيوتاً ومستوعبات لمواد مهملة تحترق، وقالوا ان هناك مستوعبات من الإطارات المطاط تدب فيها النيران، ثم قالوا ان هناك مستوعبات من الكبريت لحق بها الحريق الهائل، وهناك من قال انه العنبر الذي كانت تُدفن فيه أوراق المعاملات وبوالص الشحن هرباً من دفع الرسوم وتغطية لعمليات التهريب والفساد، قد أُشعِلت فيه النار لحرق كل هذه المستندات.  وبالتأكيد ان الدولة آخر من يعلم لأن ليس في لبنان دولة، ولا يمكن ان يتواصل الحريق تلو الحريق لو كانت موجودة تتنبه الى المخاطر بعد الكارثة الكبرى، بل قل ليس هناك شعب ولم يشعل النار في هكذا دولة من القش … مفهوم؟