ترسيم الحدود: كيف حلت عقدتها؟

11 أيلول 2020 08:56:26

كتبت روزانا منصف في "النهار":

لا تزال تطغى التطورات الداخلية التي تتنامى من عجز السلطة وتلهيها بجنس وزراء الحكومة العتيدة، على مسألة كشف عنها رئيس مجلس النواب نبيه بري عشية انفجار 4 آب وتتعلق بايجابية مرتقبة على مستوى ترسيم الحدود بين لبنان واسرائيل ولم تأخذ حجمها في ظل تسارع التداعيات السياسية والاجتماعية والاقتصادية بعد الانفجار. لكنه عاد فاشار الى الموضوع في البيان الذي اصدرته حركة " امل" في معرض الرد على العقوبات الاميركية التي استهدفت معاونه السياسي الوزير السابق علي حسن خليل فيما تحدث مساعد زير الخارجية الاميركيى ديفيد شينكر عن اتفاق اطار يوقع قريبا مع لبنان ويمهد لمفاوضات بين لبنان واسرائيل حول ترسيم الحدود. لا تملك الدوائر الرسمية بما فيها وزارة الخارجية او حتى رئاسة الحكومة تفاصيل هذا الملف الذي يقع كليا بين يدي الثنائي الشيعي من دون اي نجاح يذكر لمحاولة رئيس الجمهورية ميشال عون وفريقه انتزاعه من بري في الاونة الاخيرة وبعد نجاح رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو في تأليف حكومته بعد جولات انتخابية متعددة في خلال الاشهر الاخيرة. اظهر الاميركيون حرصا على بقاء الملف في يد بري وما يمثله في ظل اتفاق ضمني على مستوى الرئاسات الثلاث ان يكون هو من يتولى التفاوض استناد الى ان موافقة الثنائي الشيعي تضيق هامش التملص لاحقا من الاتفاق وتضعه امام مسؤولية التزاماته فيما يملك الحزب السيطرة على الارض في الجنوب ويتحكم بالواقع هناك على كل الصعد. واتفاق الاطار او ما يمكن ان يسمى "جنتلمان اغريمانت" لا يعني ضرورة ان انهاء التفاوض الذي سيحصل برعاية الامم المتحدة او تحت مظلتها سيتم سريعا. لكن يفترض ان يعني ان نهايته ستنزع ذرائع قوية تتصل بالمنطق الاساسي لاستمرار سلاح "حزب الله" ولو انه اخترع له مهاما او اهدافا جديدة باتت تتصل بكيان الطائفة الشيعية تفاديا للحظة مماثلة. لم تتضح بعد سبل الحلحلة على ملف الترسيم فيما ان الاميركيين حينما اوقفوا مكوكية وساطتهم بين لبنان وإسرائيل رموا كرة الحصول على اجوبة وحل على الجانب اللبناني فيما ان بري رماها في المقابل على انتظاره جوابا من الاميركيين. وهؤلاء تكتموا حتى الان على الموضوع ولم يوضحوا ما الذي تم حلحلته واذا كانوا حصلوا على الاجوبة اللازمة من الجانب اللبناني. وكان ثمة اعتقاد لا بل اقتناع راسخ لدى قوى اساسية في لبنان ان الحزب يمكن ان يفرج عن ورقة التفاوض مع اسرائيل حول الحدود البحرية، باعتبار ان لا مشكلة فعلية معقدة متبقية حول الحدود البرية، حين يشعر بوجوب بيع ورقة للاميركيين في لحظة تأزم او لاعتبارات معينة. فيما يثير البعض من هذه القوى امكان طرح الحزب نفسه مفاوضا وان على نحو غير مباشر لان المؤسسات الرسمية ستتولى لاحقا التفاوض، تأمينا له وحماية من الاتي في ظل متغيرات كثيرة مفاجئة ولئلا يكون جزءا من التفاوض او على حسابه حتى من حلفائه في الداخل. فما يواجهه ان على صعيد التضييق عليه خارجيا اكثر فاكثر او على حلفائه في الداخل وفقا للعقوبات الرمزية على وزيرين سابقين على صلة وثيقة بتسهيل اعماله وما توجهه من رسالة قوية لا يجوز الاستهانة به بغض النظر اذا كان الذهاب الى مفاوضات الترسيم يشكل ضمانا له في حد ذاته ونقطة قوة حان وقت استخدامها. وهناك علامات استفهام كبيرة تنتظر عودة مساعد وزير الخارجية ديفيد شينكر الى بيروت باعتبارها ستكون المؤشر الى ما سينطلق على صعيد ترسيم الحدود علما ان مفاعيل ما يحصل داخليا سيكون مهما في حال نجحت المبادرة الفرنسية التي لا يزال يشكك كثر بنجاحها لاعتبارات اقليمية وكذلك بامكان انطلاق مفاوضات ترسيم الحدود مع اسرائيل ايضا على الاقل قبل موعد الانتخابات الاميركية(!). 

في اي حال، واذا صح ذلك، يلفت مراقبون ديبلوماسيون الى ان اعلان بري سبق الاعلان عن اتفاق التطبيع بين دولة الامارات العربية واسرائيل على نحو يفترض ان لا رابط بينهما. لكن سياق تطور الامور وقد ارتبط الوضع اللبناني طويلا ولا يزال باوضاع المنطقة بدءا من سوريا الى ايران والواقع العربي ككل، علما ان ترسيم الحدود لا يعني طبعا اتفاق سلام او تطبيع مع اسرائيل. لكن واقع الحال في المنطقة، يفترض الاقرار بان المنطقة شهدت تطورات متلاحقة ومفصلية سيما وان الجولان السوري وان لم يكن قد تم الاعتراف به من الامم المتحدة لاسرائيل الا انه لن يعود لسوريا على رغم كل الكلام المعاكس. والتطورات الدرامية طاولت القضية الفلسطينية نفسها والغرق في اجتماع الفصائل الفلسطينية عبر اسماعيل هنية وسواه في بيروت لا يعني اطلاقا ان ثمة متغيرات في مصلحة الفلسطينيين راهنا عبر اجتماعات مماثلة. فهذه رسائل تكتيكية يستفيد منها بعض الاطراف لكنها غير اساسية حتى لو انها خالفت قرار الدولة اللبنانية ببقائها من ضمن حرم السفارة وعدم خروجها الى المخيمات. وذلك فيما التحول جوهري غدا على طبيعة حل الدولتين وامكان قيام الدولة الفلسطينية. ما يعتقد انه قد يكون خطوة في المسار الصحيح للبنان اذا صدقت النيات في موضوع ترسيم الحدود، ان لبنان في ظل مسار دول المنطقة يحمي نفسه من خسارة حتمية او تفاوض من موقع ضعيف لاحقا. ذلك ان تطور العلاقات بين اسرائيل والدول العربية سيعزل الدول في ما يسمى محور الممانعة علما ان جميعها منهكة ومنهارة من سوريا الى لبنان واليمن والتنظيمات التي تدور في اطارها. والبعض يقول ان ايران تحمي نفسها ايضا عبر خيط التواصل لئلا تحوطها عزلة كبيرة نظرا الى ان اتفاق التطبيع بين الامارات واسرائيل والذي لم يجد اي صدى سلبي له في المنطقة، ينعكس سلبا على ايران ومحورها.