التوتر الاستراتيجي البارد على امتداد الفاصل الأوراسي

11 أيلول 2020 07:56:00 - آخر تحديث: 11 أيلول 2020 09:04:57

عندما يقول وزير الدفاع  الروسي، سيرغي شويغو، إنّ الناتو يسعى للعودة إلى مواجهات الحرب الباردة فلا يُمكن اعتبار التصريح مناكفةً دبلوماسية فقط، ذلك أن المناكفات الدبلوماسية غالباً ما يتحمَّل أعباء الخوض فيها وزراء الخارجية أو السفراء. 

شويغو، الذي أعلن في 6 سبتمبر/ايلول الجاري أن طائرات حربية استراتيجية أميركية قاذفة من طراز ب – 52 تتدرب فوق مياه البحر الأسود على توجيه ضربات ضد الأراضي الروسية فوق مياه بحر البلطيق في الشمال، بالقرب من الحدود الروسية، فذلك يعني أن التوتر البارد قائمٌ بين العملاقين اللدودين، وهو ينحو باتّجاه مسارات مختلفة عن المسارات السابقة، بمعنى أن موسكو لم تعُد تعترف بالأُحادية القطبية التي فرضتها واشنطن بعد العام 1990. والولايات المتحدة الأميركية ما زالت ترى أن روسيا هي الخصم الاستراتيجي لها، بصرف النظر عن الفارق الكبير في حجم قوة الطرفين، وخصوصاً من الناحية الاقتصادية، وفي القوى العسكرية البحرية التي تميل لصالح الولايات المتحدة الأميركية بطبيعة الحال.

وعلى خط الحدود السياسية والجغرافية التي تفصل أوروبا عن آسيا- ابتداءً من السواحل السورية جنوباً مروراً بجورجيا، وجزيرة القرم، وأوكرانيا، وصولاً إلى البلطيق - توجد عدة نقاط توتر بين القوتين الدوليّتين الكبيرتين. وتحاول واشنطن حشر موسكو في هذه المناطق، نظراً لكونها تقع بالقرب من الحدود الغربية لروسيا. وهذه الحدود البريّة كانت عبر التاريخ مصدر تهديدٍ للبلاد، كما أن هذه المساحة الجيو- سياسية الواسعة تُعتبر بمثابة المدى الحيوي للنفوذ الروسي، وجزءٌ كبيرٌ منها كان من ضمن الاتحاد السوفياتي السابق الذي تفكّك عام 1990، ثمّ ورثته روسيا الاتحادية في مجلس الأمن، كما أنها تكفّلت بكل المعاهدات التي كان قد وقَّع عليها الاتحاد.

 التحليق التجسّسي بالقرب من الحدود الروسية لا تقوم به الطائرات الأميركية فقط، بل يشمل طائرات من دول حليفة لها. فالمقاتلات الحربية الروسية اعترضت في 7 أيلول/سبتمبر، طائرة تجسُّسٍ بريطانية، وأخرى نروجية، فوق بحر بارينتسيفو في الشمال، وأجبرتها على مغادرة المنطقة. علماً أن مثل هذه الأعمال الاستطلاعية كانت مسموحةً بموجب معاهدة "السماوات المفتوحة" للعام 2002. ولكن روسيا اعتبرت أن انسحاب الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، من المعاهدة في أيار/مايو  الماضي هو بمثابة إلغاء للمعاهدة برمّتها، وهي التي كانت تضم 32 دولة من بينها بريطانيا، والنروج، وروسيا.

أمّا التوتّر البارد على الأرض بين الفريقين، فهو يبدأ من تعارض المصالح على الساحة السورية جنوباً مروراً بجورجيا، وهي التي كانت من ضمن أراضي الاتحاد السوفياتي، وصولاً إلى جيب كالينينغراد الروسي في قلب أوروبا الشمالية. والاتّهامات المتبادلة بين الطرفين توالت بعد إلغاء معاهدة منع نشر الصواريخ النووية متوسطة المدى في أغسطس/آب 2019. هذه المعاهدة، التي أُبرمت بين واشنطن وموسكو عام 1987، كانت تضبط حركة انفلاش القواعد الصاروخية في أوروبا. أما اليوم، فروسيا تتهم حلف الناتو بنشر قواعد صواريخ بالقرب من حدودها في تشيكيا وبولونيا، بينما يتهمّها الناتو بنقل قواعد صواريخ متطورة إلى جيب كالينينغراد الاستراتيجي.
وقد زاد من حدة التوتر اصطدام جنود روس مع جنود أميركيين في شمال شرق سوريا في 25 آب/ أغسطس  الماضي، وأسفر الاشتباك عن جرح عددٍ من الجنود الأميركيين، مما حدا بمستشار الأمن القومي الأميركي، روبرت أوبريان، إلى تحذير روسيا من مغبة تكرار مثل هذا العمل، لأن الحسابات الاستراتيجية الأميركية في سوريا لا تقل عن أهميةً عن الحسابات الروسية، ذلك أن نفوذ موسكو على مناطق الساحل السوري، ومع دوائر الدولة، لا يزيد أهمية عن الحسابات الأميركية مع قوات "قسد" الكردية في مناطق شمال سوريا التي تحتوي على المخزون الأساسي من النفط والغاز.
وما زاد من منسوب التوتر البارد بين روسيا والولايات المتحدة الأميركية  المناورات العسكرية الواسعة "نوبل بارتنز 2020" التي جرت من 8 إلى 18 آب/ أغسطس، والتي ينظّمها حلف الناتو في جورجيا بالقرب من العاصمة تبليسي، ويشارك فيها 2,800 ضابط وجندي من الولايات المتحدة الأميركية، وفرنسا، وبريطانيا، وبولونيا. 

ورغم تأكيد رئيس وزراء جورجيا، جورجي جاخاريا، أن المناورات هدفها تعزيز التواصل مع أوروبا، وهي ليست موجهةً ضد أحد، لكن موسكو أبدت امتعاضاً من إقامة هذه المناورات، معتبرةً انضمام جورجيا لحلف الناتو تهديداً مباشراً لأمنها القومي، وهو ما قد يُعيد التوتر بين تبليسي من جهة، وأقليمَي أوستيا وأبخازيا اللذين أعلنا الانفصال عن جورجيا في العام 2008، في أعقاب الدخول الروسي العسكري إليها.
وتحاول روسيا الحفاظ على تفوّقها الأرضي في أوراسيا، لكن التهديد الاستراتيجي لهذا التفوّق قائمٌ أكثر من أي وقتٍ مضى.