السيادة والحياد بين طيّات الديبلوماسيتين الأميركية والفرنسية

06 أيلول 2020 17:20:00 - آخر تحديث: 06 أيلول 2020 21:45:35

الديبلوماسية الفرنسية ليست مُتطابقة مع الديبلوماسية الأميركية، لا في شأن لبنان والعراق ولا في شأن إيران وتركيا. لكن مستوى التلاقي والتداخل والتنسيق بين الديبلوماسيتين لافت ومُهم بالذات في خضمّ تنشيط الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون الدور الفرنسي في الشرق الأوسط عبر البوابتين اللبنانية والعراقية، وفي شمال أفريقيا بصورة خاصة حيث معركته مع نظيره التركي رجب طيب أردوغان حامية في ليبيا.

الرئيس الأميركي دونالد ترامب مُنغمس في معركته الانتخابية لكنه لم يُغيِّب الدور الأميركي في منطقة الشرق الأوسط، بل تم تنشيط الديبلوماسية الأميركية على مستوى وزير الخارجية مايك بومبيو ووكلائه ومساعديهم والمبعوثين والقيادة العسكرية في الملف الخليجي العربي والإيراني والعراقي واللبناني والفلسطيني والإسرائيلي والليبي والمصري والتركي وغيره من الملفّات. الأداة الرئيسية لدى إدارة ترامب في صقل وتنفيذ سياساتها الخارجية تبقى العقوبات. واللافت أن الديبلوماسية الفرنسية بدأت تنطق بلغة العقوبات على نسق استخدامها أميركياً في إطار ترغيب إيران وشركائها وحلفائها بالعدول عن سياسات مُدمِّرة للسيادة اللبنانية والعراقية والسورية والخليجية، وإلا العقاب بالعقوبات المدمِّرة لها.

الفارق الرئيسي بين الديبلوماسيتين يصبّ في الوطأة الضخمة لأدوات العقوبات الأميركية على اقتصاد الدول وعلى المنظمات والأحزاب والأفراد، مقابل أهمية سياسية ورمزية لإجراءات فرنسية مماثلة، مؤذية على أي حال. الاختلاف الأساسي هو على حجم التركيز الفرنسي على دور تركيا في المنطقة كأولوية على دور إيران، واستعداد الديبلوماسية الفرنسية للتأقلم مع الأمر الواقع الإيراني بامتداداته الإقليمية كوسيلة للضغط أو للإقناع.

تقليدياً، الديبلوماسية الأميركية لا تثق بنظيرتها الفرنسية وتعتبرها تعبيرية أكثر مما هي مفصلية. اليوم، قررت إدارة ترامب أن تدعم قيادة ماكرون الملف اللبناني، إنما ليس بلا مراقبة دقيقة تضمن عدم استطراد الديبلوماسية الفرنسية بأي نوع من الاعتباطية Arbitrary المكلفة. توجد مؤشرات على تلقّي الرئيس الفرنسي من الرئيس الأميركي تشجيعاً على بذل كل الجهد لمساعدة لبنان شرط أن لا يقفز على السياسة الأميركية العريضة نحو "حزب الله" ودور الجمهورية الإسلامية الإيرانية في لبنان.

كثُرت تعابير وأوصاف ما فعله ماكرون أثناء زيارته الثانية للبنان في غضون شهر لجهة العلاقة مع "حزب الله" من "التعويم" الى "الإمهال" الى "الإنذار" بالعقوبات. زيارة مساعد وزير الخارجية الأميركي ديفيد شنكر، التي تبعت زيارة الرئيس الفرنسي أيضاً تلقّت حصّتها من التأويلات المُتنقّلة بين تهمة "التهميش" للمجتمع المدني وبين قيام شنكر بتوضيح حدود الديبلوماسية الفرنسية لدى الديبلوماسية الأميركية بالذات في مسألة "حزب الله" ودوره و"تعويمه".

القاسم المشترك هو أن الزائِريَنِ تحدّثا بلغة تأنيب وتوبيخ الطبقة السياسية المُتحكّمة بلبنان، وكلاهما أوضح أن لا أموال دولية أو عربية بمستوى ما يتطلّبه الإنقاذ الجدّي للبنان ما لم يتم اتخاذ الإصلاحات الجذرية الضرورية التي لا بد أن تطاول من نفوذ وهيمنة وسيطرة هذه الطبقة. ولذلك انها تقاوم.

"هذا هو الأسبوع"، نقلت المصادر عن شنكر قوله إشارة الى الأسبوع المقبل كموعد جدّي لفرض العقوبات الأميركية على شخصيات سياسية مسيحية لبنانية حليفة لـ"حزب الله"، وذلك كأولى خطوات إبلاغ حلفاء "حزب الله" أن الوقت حان لدفع ثمن تأمينهم الغطاء للحزب. وتابعت المصادر أن الديبلوماسية الأميركية أعطت هامشاً للديبلوماسية الفرنسية "للملمة الوضع الإنساني والمالي" بلا الآفاق السياسية لأنها "ناقصة قضيّتين أساسيتين هما: الحدود والحياد" في إشارة الى موضوع "حزب الله" بِرُمته. ماكرون أراد ترك "حزب الله" حتى لاحقاً. إدارة ترامب تريد تنشيط المبادرة الفرنسية التي "لم تلامس السياسة بموضوعيّ الانتخابات والسلاح"، وقالت المصادر، وهي حريصة على مراقبة المبادرة والسياسة كي لا تقع أخطاء إما بسبب افتقاد الديبلوماسية الفرنسية الرشاقة أو بسبب الإفراط في الافتراض أن السياسة الأميركية ستتأقلم مع السياسة الفرنسية. فالعكس هو الصحيح، والكلام بلغة العقوبات هو المثال على ذلك.

"الجزرة فرنسية والعصا أميركية" قال المصدر الذي نقل عن شنكر قوله إن السياسة الأميركية لن تعود أبداً الى ما كانت عليه في زمن الرئيس الأسبق باراك أوباما مهما راهن أيّ كان على غير ذلك. لكن الجزرة لن تكون بمستوى الـ11 مليار دولار بموجب "سيدر" ولن تفوق 2-3 مليارات. فعملية الإنقاذ الكبرى تتطلّب موافقة صندوق النقد الدولي والولايات المتحدة والدول العربية، فليتوقف وَهم illusion الإنقاذ المالي الكبير إذا لم يطرأ على لبنان تغيير جذري جدّي في إطار الإصلاحات في السياسة والنظام والسلاح والانتخابات والرؤية البعيدة من العقيدة. هذا هو التحدّي الأكبر للحكومة التي يؤلّفها رئيس الحكومة المكلّف مصطفى أديب ووعد أن تكون من اختصاصيين Technocrat وليس من الزُمرة المُعتادة الراضخة لأصبع أوامر الطبقة السياسية.

مسؤولية مصطفى أديب تتقاطع مع مسؤولية رئيس الحكومة العراقية مصطفى الكاظمي، حيث ان المطلوب للبلدين هو: السيادة والحياد. مشكلة البلدين هي أن السيادة مبتورة في البلدين والحياد بات تهمة تخوين لئيمة. معنى ومفهوم السيادة هما قدرة الدولة على بسط سلطتها ونفوذها واحترامها والقُدرة على حصر السلاح بيد الدولة. هذا يتطلّب من الرئاسات الثلاث في البلدين، رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة ورئاسة مجلس النواب، ان تكون بمستوى المسؤولية والتحدّيات. وإلا، لن يكون ممكناً للدولة الاستمرار على الأنماط الحالية. ولذلك فإن الانهيار يحدّق بجدّية في مصير كل من لبنان والعراق، ما لم يتم الاستدراك.

إيمانويل ماكرون ركّز على موضوع السيادة عند زيارته العراق واجتماعه بكل من رئيس الجمهورية برهم صالح ورئيس الوزراء مصطفى الكاظمي. في الشقّ الخارجي، وقع تركيز ماكرون على تركيا ودورها في العراق والمنطقة أكثر مما وقع على الجمهورية الإسلامية الإيرانية. وبحسب المصادر العراقية، تلاقت الأولوية التركية لدى فرنسا مع الهاجس العراقي من تركيا بالذات في هذه المرحلة، حيث "تركيا واضحة في قواعدها ونفوذها وخروقاتها للسيادة وتوسيع وجودها العسكري واختراقها عبر الأجهزة التي لديها".

جزء من الاختلاف بين السياسة الأميركية والسياسة الفرنسية هو الموضوع التركي حيث تريد باريس من واشنطن كبح جماح أردوغان فيما الأولوية الأميركية هي لبقاء تركيا في حلف شمال الأطلسي (ناتو) ولاستعادة تركيا من أحضان روسيا.

نقطة الاختلاف الثانية تتعلّق بإيران، حيث أن فرنسا تتحوّل شيئاً فشيء باتجاه المواقف الأميركية من طهران، إلا أن باريس تريد الحفاظ على سكّتين للديبلوماسية الفرنسية على نسق تقليدها، فيما واشنطن تُعطيها الفرصة لبذل الجهد إنما ضمن السكَّة الأميركية الواضحة نحو طهران وشركائها وحلفائها.

وكمثال على التفاوت، أن ما تخلو منه المبادرة الفرنسية بشأن لبنان لجهة عدم ذكرها لسلاح "حزب الله" واعتباره كياناً شرعياً بحسب تصريحات الرئيس الفرنسي إنما يتناقض جذرياً مع المواقف الأميركية. وبحسب مصادر مطّلعة، "أن الأميركيين غير مقتنعين بوصول المبادرة الفرنسية الى نتيجة" لكنهم لن يُحبطوها، بل سيبقون على تواصل مستمر وتعاون كبير وتنسيق دقيق مع الفرنسيين فيما تستمر المقاطعة الأميركية للسلطة اللبنانية حتى إشعار آخر. فالعقوبات آتية، ولكل حادث حديث عند ذاك.

الإقبال الغربي على لبنان بما في ذلك عبر الفاتيكان له أهمية بالغة لا تتوقف عند التعاطف مع الشعب اللبناني بالذات بعد تفجير مرفأ بيروت وأمام وضوح بذاءة المشهد السياسي وعفن النظام الحاكم. انه إقبال غربي يقطع الطريق على تأهّب الصين لابتلاع الفرصة المُتاحة لها للسيطرة على مرفأ بيروت بإعادة تأهيله طبقاً لما يُمليه حليفها الإيراني، بالذات "الحرس الثوري"، و"حزب الله". فالصين التي تأبّطت دائماً مبدأ احترام سيادة الدول تفسيراً لمواقفها إنما هي اليوم تبارك وتشارك في انتهاك سيادة لبنان بازدواجية رهيبة.

وإذا كانت الدول الأوروبية فعلاً مهتمة بلبنان، كما تزعم، يجب ألا يتوقف اهتمامها عند المعونات الإنسانية والعواطف الرمزية. حان لأوروبا أن تقوم بواجباتها الأخلاقية نحو بلد في جيرتها على المتوسط يعاني من فساد حُكّامه المَقيت ومن استرهان إيران له بمشاركة دول كبرى كالصين وروسيا.

أمام فرنسا فرصة لترك بصمة مميّزة لها في الشرق الأوسط، إذا تحلّت بالشجاعة للانطلاق بعيداً من ديبلوماسية الإرضاء. المبادرة الفرنسية تضمّنت الكثير من النقاط المهمّة والجريئة في طرحها على نسق الإجراءات المحايدة للعروض على إعادة بناء المرفأ، وطرح مسألة "سلعاتا" لإبلاغ من يعنيه الأمر أن زمن الهيمنة على الطاقة ولّى.

إنما ما تتطلّبه المبادرة الفرنسية في شأن لبنان هو إلحاقها بمبادرة جدّيّة محصّنة بالعقوبات وبحشد أوروبي لإبلاغ الجمهورية الإسلامية الإيرانية أن سياساتها الإقليمية لم تعد مقبولة على الإطلاق. فالشعور بالذنب يجب أن يرافق فرنسا وبريطانيا وألمانيا وليس فقط الصين وروسيا وإدارة أوباما – فجميعهم رضخ للشرط الإيراني بحذف وتحييد نشاطات إيران الاقليمية عن المفاوضات على الاتفاقية النووية. وهكذا وصلنا الى حيث نحن، بأموال أميركية وأوروبية، بانتهاك كامل للسيادة، وبكلفة غالية يجب أن تؤنّب الضمائر الأوروبية بالذات.