ثلاثة أشهر مصيرية في لبنان: الإنقاذ أو الإنهيار.. والعين على الغاز المُنتظر

04 أيلول 2020 11:25:00 - آخر تحديث: 04 أيلول 2020 14:48:35

لبنان، أو بالأحرى نظامه السياسي والإقتصادي المتداعي أمام فرصة أخيرة، مدّتها ثلاثة أشهر، بعدها إمّا الخلاص أو الإنهيار التام. الفرصة هذه  منحتها فرنسا ومن خلفها المجتمع الدولي، للقييمين على  بلد الأرز المنكوب والمنهوب، والذي تصدّر في سنواته الأخيرة قبل المئوية، قائمة لوائح الفساد في الجغرافيا العالمية.  


لا شكّ في أنّ مرحلة جديدة دخلها لبنان مع المبادرة الفرنسية، لا تحتمل الرمادية، أو المراوغة التي برع أهل الحكم عندنا بتجسيدها غاية البراعة. هؤلاء الذين عجزوا عن إنارة بيوتنا، رغم ما أنفقوه من ملياراتٍ، كانت لتضيء أكبر بلدان الأرض مساحة، وهدروا أموال الخزينة في الإتصالات والمعابر وغيرها، يعصرون بنات أفكارهم، ليس بقصد تعويض عتمة أيامنا وعهودهم، بل لأجل ابتكار فصل جديد من التشاطر، هم الذين كانوا بالأمس بصدد تعليم لندن وواشنطن كيف يدار بلد من دون ميزانية، هؤلاء الذين طالما تسبّبوا بفراغ مؤسّساتي، مرّة لرئيس "مُنتظر"، وأخرى لثلث معطّل "مكتسب"، أو لوزارات سيادية جعلوها حقوقًا حصرّية لهم، اليوم  يلبسون أثواب الملائكة ويترفّعون، أقلّه في العلن.  

أسئلة عديدة تدور في أدمغتنا الحائرة: هل للوصفة الفرنسية، إن لم نقل الكرباج، مفعولها الساحر المذهل بهذه السرعة؟ هل سيتحقّق الشقّ الإقتصادي الإنقاذي من البرنامج الفرنسي؟ أم سنكون أمام سيناريو شبيه بمفاعيل "سيدر" المجمّدة؟  لماذا يصرّ الرئيس الفرنسي على معرفة أرقام القطاع المصرفي اللبناني؟ هل يشتبه بأدائه؟ أيّ أهداف تريدها فرنسا لمصالحها من لبنانا الكبير؟ وما علاقة الغاز الموعود في أعماق مياهنا الإقليمية؟    

النواحي الإقتصادية والجيوسياسية لم تغب أبدًا عن الحراك الفرنسي في المنطقة، لا بل تشكّل محورها في منطقة غنيّة بالنفط والغاز. وفق هذه المقاربة يقرأ الخبير المالي والإقتصادي الدكتور بلال علامة في أبعاد المبادرة الفرنسية "فالأم الحنون إضافة إلى الرابط التاريخي الذي يجمعها بلبنان، ومكانة هذا البلد الفرنكوفوني، تسعى لضمانة حصّتها من التسوية التي تحصل في المنطقة. وأمام الخطر الذي يتهدّد الكيان اللبناني تحرّكت ومارست ضغوطًا قوّية لتنقذ لبنان، ومن خلاله تحافظ على نافذتها إلى المتوسط. كل الصراع يدور على صلة الوصل ما بين أوروبا وغرب آسيا، والغاز حكمًا غير بعيد عن تلك المصالح، ولا ننسى أنّ الشركة الفرنسية "توتال" تقود إئتلاف الشركات في عملية التنقيب، ومن المؤكّد أنّ هناك ثروة واعدة في الأحواض اللبنانية، خصوصًا أنّ حقلي تمار ولفيتان الملاصقين للبلوك التاسع يحويان مخزونًا هائلًا من الغاز، بحيث يتمّ تصدير الغاز من الأراضي الفلسطينية المحتلّة بالتعاون مع كل من الأردن ومصر وقبرص واليونان، فيما فرنسا خارج هذه المعادلة". 

ما يفيد لبنان من الرعاية الفرنسية، إذا صح التعبير، يتمثل في المؤتمر الدولي الذي تعهد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بتنظيمه لأجل لبنان، والذي يبدو أنّه شبكة الخلاص الوحيدة، فيما لو استجابت القوى السياسية لروزنامة الإصلاحات، والتي تهرّبت من تنفيذها بعد إقرار مؤتمر "سيدر" وخلال حكومة حسان دياب، "اليوم تمارس فرنسا ضغوطًا غير مسبوقة  لتعويم الخطّة الإصلاحية وربطها بمدى زمني محدّد بثلاثة أشهر، على أن تبدأ الإصلاحات بالكهرباء أولًا، ثمّ الإتصالات، وإصلاحات في القطاع العام المنتفخ، وأخرى قانونية". 

ولكن القوى نفسها ما زالت تتحكّم بالقرار، ولديها باع طويل في المراوغة، فما الذي سيرغمها على تنفيذ الإصلاحات التي تجاهلتها مرارًا؟ 

يجيب علامة "ما يختلف اليوم، أنّ هناك قبضة فرنسية وإشرافا مباشرا، من قبل رئيس جمهورية فرنسا، العائد للبنان للمرة الثالثة في كانون الأول المقبل لمعاينة سير الأمور عن كثب. وقد إعتمد مع المنظومة الحاكمة سياسة العصا والجزرة، ملوّحًا بعقوبات وبمساعدات، على قاعدة الترغيب والترهيب". 

لافتًا كان تشديد ماكرون على إصلاح القطاع المصرفي، ذهب إلى حدّ المطالبة بمعرفة الأرقام الحقيقية لهذا القطاع، وكأنّ ماكرون يشير إلى شبهة ما في أداء القطاع. وبنظر علامة "القطاع المصرفي كان شريكًا في ما حصل من تجاوزات في المجالات الإدارية والمالية والسياسية، علمًا أن وزير المال السابق علي حسن خليل كان قد تحدّث عن إعادة هيكلة الدين عام 2018 قبل أن يتراجع، وشكّل ذلك مؤشرًا على أنّهم كانوا يدركون أنّ سياساتهم ستصل بلبنان إلى النتائج الكارثية الراهنة".  

 

أضاف علامة  "كل التعاميم والقرارات التي أصدرها حاكم مصرف لبنان طيلة فترة التدهور المالي، لم تكن ناجحة في معالجة الخلل الحاصل على مستوى معالجة ميزان المدفوعات، وكان يبتدع أساليب، من المنصّة الإلكترونية إلى التبادل الخارجي، وغيرها من الآليات التي لم تؤّمن دولارات تعزّز احتياطه، الذي أضحى يُستنزف شهريًّا  لدعم ثلاثية السلع ،المحروقات والدواء والقمح، بما يقارب 650 مليون دولار، وما تبقى يكفي لثلاثة أشهر. ومما لا شكّ فيه أنّ القطاع المصرفي بحاجة إلى هيكلة وإستعادة ثقة الناس، ولقد فرض مصرف لبنان سلسلة إجراءات في هذا الإتجاه، من خلال التعاميم الأربعة الصادرة عنه قبل أيام، من ضمنها التعميم رقم 154 الذي يحاول من خلاله إعادة ضخ الحياة في المصارف. والتعميم الوسيط رقم 567 المتعلّق بإلتزام المصارف بالمعايير العالمية  (AFRS 9) في التسليفات والتدقيق، لاسيّما وأنها قفزت فوق هذه المعايير التي لا تسمح لها أن تسلّف أكثر من 35% من موجوداتها أو ودائعها، في حين أنّ تسليفات المصارف اللبنانية ناهزت الـ 70% بين تلك التي حصلت بسندات الخزينة، اليوروبوند، الليرة أو تسليفات القطاع الخاص، الأمر الذي نتج عنه مخاطر عالية. اليوم ألزمهم التعميم بالعودة إلى تطبيق المعيار وإعادة تكوين رأسمال المال". 

يختم علامة "المنظومة السياسية أوصلت لبنان إلى دائرة الخطر، الشطارة تكمن في تحويل الخطر إلى فرصة، وهذا ما منحهم إياه ماكرون. أمّا المناورات والمكر والرقص على حافة الهاوية فيجب أن يقلعوا عنه، فإذا لم ينجح برنامج ماكرون، فنحن ذاهبون إلى انهيار كياني بعد مضي الأشهر الثلاثة".