يا وطني... ماذا سنخبرك بمئويتك؟

01 أيلول 2020 13:20:10

ماذا سنخبرك يا وطني؟!
هل سنخبرك عن الآفات، والموبقات، والفساد، والتخلّف، لنردّد صدق انطباق مقولة:
لو ظلّ التخلّف في مجتمعاتنا، فسيأتي
 السيّاح ليتفرجوا علينا بدلاً من الآثار.ا
 
نجيب محفوظ.

 قصة مقتبسة وعبرة،
بين الحقيقة والخيال...

 لكي لا يخسر الآخرون أحلامهم...

 يحكى أن شاباً كان يقف فوق الهضبة العالية، المشرفة على شاطئ المحيط يستنشق الهواء النقي، ويتأمل حقول الأرزّ الممتدّة تحت قدميه، وقد قارب وقت الحصاد بعد أن جفّت العيدان، وانحنت تحت حملها الوفير.

 امتلأ قلب الشابّ بالرضا، فها هو الآن يمسح تعب الشهور الطويلة التي قضاها في رعاية الحقل، وها هو يقترب من تحقيق حلمه الكبير بالزواج بعد أن يبيع محصوله الوفير.

غير أن شيئاً مباغتاً أفزع الشاب وأخرجه من أحلامه، فقد أحسّ ببوادر هزةٍ أرضيةٍ ضعيفة، ونظر إلى شاطئ المحيط البعيد، فرأى الماء يتراجع إلى الوراء، فعرف من خبراته البيئية أن الكارثة على الأبواب!!.. 

فالماء حين يتراجع إلى الوراء، إلى قلب المحيط، فهو يشبه الوحش الذي يتراجع إلى الخلف ليستجمع كلّ قواه كي ينقضّ على ضحيّته بضراوةٍ وعنف.
ولكن لماذا يخاف، وهو فوق الهضبة؟
ربما يتبادر لنا هذا السؤال، لكن خوف الشاب كان يكمن في إدراكه لحجم الكارثة التي ستتعرّض لها القرية الصغيرة، الراقدة في سفح الجبل، والتي يسكنها فلاحون فقراء لا يملكون من الحياة سوى أكواخهم المتواضعة.

لم يكن الوقت كافياً للنزول إلى السفح لتحذير الناس فصرخ من فوق الهضبة، لكن لم يسمعه أحد. وبعد لحظات من الحيرة والقلق اتّخذ قراراً حاسماً، فأشعل النار في حقله ليثير انتباه الفلاحين في الوادي الآمن عند السفح.

ونجحت "فكرة" الشاب الصيني، فقد تدافع الجميع صاعدين لأعلى الهضبة لإنقاذ أنفسهم، وهبط هو ليلاقيهم بمنتصف الطريق ليعيدهم من اجل التقاط أطفالهم، ونسائهم، وحاجاتهم القليلة.

  لم يتزوّج الشاب في تلك السنة، ولم يسدّ احتياجاته الضرورية، ولم يوفِّ ديونه، لكنه أنقذ حياة قريةٍ كاملة، وأصبح عمدة القرية ونائبها".

نعم... هكذا برجاءٍ، وبقرارٍ طوعي نابع من وجدانهم، وضمائرهم، لا خوفاً، ولا طمعاً لأنّهم أدركوا مصداقيته الحقيقية وتضحيته المجردة عن كل أنانية، وأنه قادرٌ على حمل المسؤولية.
هكذا يكون الاختيار، وهكذا يكون الترفّع. ومن يفكّر با?خرين قبل نفسه فإن اللّه يعوّضه خيراً ولو بعد حين، وأنّ من يهتم لشأن ا?خرين جدير بأن يكون أميناً على مصالحهم.
أين هذا من ذاك يا وطني؟؟
ويا وطني ماذا سنخبرك بمئويتك؟؟!!
‌‌‌‌‌‌‌‌‌‏
عندنا من يحرقك، ويحرق قلوب الشعب على أرزاقهم، وعائلاتهم، وأحبائهم، لأجل أن يبقوا على كراسيّهم، وعلى هضبتهم الوهمية.
أما أنت يا وطني، فهل نقول لك وبوجع، لا أحد يستحق أن ترهق نفسك من أجله؟
لا أحد يحبّك بصدق، إلّا لغاية.
لا أحد يستطيع أن يبيع العالم من أجلك.
والبعض يبيعك لأجل العالم.
لا أحد يفكّر فيك كما تفكّر أنت فيه.
لا أحد يعلم ما بك، وما هي جراحك.
لا أحد يهتم لأمرك.
والبعض يهتم لك حسب حاجته لك،
وحسب شعاراته، وشعائره، وتحالفاته، ومصالحه.
أصبح الكون يا وطني مليئاً بالغبار ، مظلماً.
وأصبح لون الحياة باهتاً ورمادياً.
اللّهم ارحم قلوباً تتألم ولا تتكلم.
يا وطني، أنت باقٍ لأكثر من مئوية، ولن تزول.
وأحباؤك الحقيقيون والمؤمنون بك باقون.
والمتآمرون عليك راحلون، راحلون، زائلون.

 
هذه الصفحة مخصّصة لنشر الآراء والمقالات الواردة إلى جريدة "الأنبـاء".