مقاربة عربية لسباق واشنطن

31 آب 2020 08:04:00 - آخر تحديث: 15 أيلول 2020 12:37:39

مهما تفاقمت جسامة الأحداث في المنطقة، فهي تعجز عن حجب النظر إلى ما وراء المحيط، حيث يحتدم السباق الانتخابي الرئاسي الأميركي ويعلو السجال ويحتدم لحسمه. هذه المعركة تسترعي متابعة أكبر من العادة في الداخل والخارج معاً، لا سيما مع الضبابية والمنعطفات التي وسمت مواقف واشنطن وسياستها تجاه قضايا رئيسة في أثناء ولاية الرئيس دونالد ترمب، وذلك على أكثر من صعيد وفي غير منطقة، بينها الشرق الأوسط.

فأكثر من أزمة وحرب تجتاح هذه المنطقة بعضها يأخذ منحى متسارعاً يكاد يسابق الحدث الأميركي، ويستغل كلٌّ من الأطراف المتنازعة ما يفرضه من وقت ضائع لتحصين مواقعه أو تحسينها، وفق ما كتب الزميل عبد الرحمن الراشد الأسبوع الفائت. هناك مثلاً الصراع في ليبيا ودخول تركيا خضمّه كما تمدُّدها في البحر المتوسط وخلقها نزاعاً مستجداً مع اليونان وقبرص، واضطرابات العراق مستمرة على وقع انتفاضة شعبية عارمة والتداعيات المحتملة لزيارة رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي واشنطن ومفاوضات الحوار الاستراتيجي بين البلدين الذي تقف له إيران بالمرصاد. أما في سوريا، فالحرب تتواصل بأشكال متجددة، ولبنان النازف أبداً تلقى ما يشبه الضربة القاضية مع تفجير في مرفأ بيروت وُصف برابع أكبر انفجار في العالم، دمّر أكثر من ثلث العاصمة واستمرار طبقته الحاكمة في غيّها كما أن شيئاً لم يحصل. وتبقى طبعاً إيران القاسم المشترك بين كل هذه النزاعات، وهي مسترسلة في مشروعها التوسعي.

من نافل القول إنَّ أكثر من طرف ينتظر نتائج الانتخابات الأميركية، إنما لو قُدّر للعالم العربي، أو لبعض منه، أن يلعب دوراً أو يؤثر في مجرى هذه الانتخابات عوض الترقب والانتظار، لكان بمقدوره أن يجعل نتائجها تخدم قضاياه وتسهل تسوية نزاعاته وحروبه، كائناً من كان ساكن البيت الأبيض. لكن في هذه الأيام العصيبة، بات نوعاً من الترف الكلام عن موقف عربي مشترك، أو سياسة عربية مشتركة قادرة على التأثير في الداخل الأميركي، سواء في قرارات الإدارة الحالية أو توجهات الإدارة القادمة، إذا ما فاز جو بايدن بهذا الاستحقاق. فالدور العربي الفعال، يقتضي وجود دول عربية قد تختلف في وجهات نظرها، إنما تكون قادرة في الوقت عينه على أن تتحاور وتتفق في زمن الضرورة على مواقف موّحدة على ما كنّا نشهده قبل تفكك الجامعة العربية.

صحيح أنَّ معظم الدول العربية تكاد تكون معطَّلة بسبب النزاعات الحادّة والأزمات التي تعصف بها، ومنها ما هو وجودي، إنما البعض منها مستقر وقادر على أدوار إيجابية تؤثر في هذه المرحلة عبر مقاربة ذكية مرنة للانتخابات الأميركية تستفيد منها مهما كانت نتائجها، سواء عاد دونالد ترمب إلى البيت الأبيض وما قد يترتب على ذلك على منطقتنا، أو فاز منافسه الديمقراطي بايدن، مع ما قد يحمله من تحولات على مستوى نزاعات الإقليم. مقاربة كهذه لا بدّ من أن تنظر إلى الانتخابات الأميركية على ضوء خمس وقائع يصعب تغييبها وهي التالية:

- نتائج حرب العراق في عام 2003 التي لم تتمكن واشنطن حتى اليوم من هضمها كما حسم طبيعة وضعها في هذا البلد، بانتظار ما سيؤول إليه الحوار الاستراتيجي الجاري بين الدولتين.

- المتغيرات والمستجدات في العلاقة الأميركية – الإسرائيلية جراء جنوح اليمين الأميركي، وبخاصة اليمين المسيحي الإنجيلي الذي بات أكثر التصاقاً بإسرائيل ودعماً لها، يقابله يسار أميركي متباين مع طروحات ومواقف إسرائيلية على أكثر من صعيد. هذا لا يعني أن غالبية الوسط الأميركي لن يبقى داعماً لتل أبيب، وأن واشنطن يمكن أن تتخلى عن دعم إسرائيل ومساندتها عن حق أو عن باطل.

- تصدُّع علاقات واشنطن مع حلفائها التقليديين في المنطقة وفي أوروبا، بدأ مع سياسة باراك أوباما "بالقيادة من الخلف"، واستمر مع اعتماد ترمب لسياسة "أميركا أولاً".

- على الرغم من خفوت اهتمام واشنطن بنفط المنطقة لتراجع حاجتها إليه، لا تزال الولايات المتحدة مهتمة بهذه الثروة، من باب حرصها على حماية أصدقائها وعدم وقوع هذه الثروة بأيدي خصومها في الإقليم أو خارجه.

- الواقعة الأخيرة وهي أساسية وقديمة، تتعلق بنظرة الولايات المتحدة إلى منطقة الشرق الأوسط. فمن الظاهر أن لا قرار أميركياً واضحاً تجاهها ولا تبدو الإدارة الأميركية على بينة مما تريده منها، وبالتالي لا يزال تعاطيها مع قضاياها زئبقياً وموسمياً يحتاج إلى رؤية متماسكة.

على ضوء هذه الوقائع يمكن للعالم العربي التحصّن للاحتمالات المتوقعة كافة، سواء إذا عاد الرئيس ترمب إلى البيت الأبيض، مع ما قد يعنيه ذلك من استمرار سياسة العقوبات القصوى تجاه إيران، وهذه القضية هي في قلب الاهتمام العربي، أو قد يلجأ خلال ما تبقى من ولايته إلى عمل ما، قد يكون سلاماً أو حرباً، لا سيما إذا شعر باحتمال خسارته السباق.

وإذا فاز بايدن، لا يعني بالضرورة تفلّت الأمور والعودة إلى نقطة الصفر. فهو سيعيد أميركا حتماً إلى سياسة الأممية الليبرالية بعيداً عن سياسة ترمب الأحادية، لكن من التبسيط الافتراض أن ذلك يعني العودة إلى سياسات أوباما، لا سيما في الملف الإيراني، وتحديداً فيما يخص الاتفاق النووي ورفع العقوبات عن إيران، أو التخلي مثلاً عن التحالفات والصداقات العربية. فإيران اليوم باتت أكثر تشدداً وتوغلاً من إيران أيام ولاية أوباما، والدول العربية الحليفة لواشنطن باتت أكثر قدرة على المبادرة خارج مظلة الولايات المتحدة.

وفي هذا السياق، يمكننا أن نقرأ خطوة الإمارات العربية المتحدة التطبيع مع إسرائيل، التي قد تكون استباقية للاحتمالات كافة، سواء لمفاجآت ترمب إذا عاد أو أممية بايدن إذا فاز. وهي بكلّ الأحوال تعي وتستشرف أهمية العلاقات الاستراتيجية والاقتصادية والتكنولوجية والتربوية والعلمية والصحية، التي يمكن أن تنشأ بين دولة عربية خليجية مثل الإمارات وإسرائيل. بالتالي يجب النظر إليها من هذه الناحية، أكثر من كونها اختراقاً لعملية السلام العربي – الإسرائيلي، ولو أنها قادرة على فتح بعض الأبواب الموصدة.

أما بالنسبة إلى لبنان النازف وتأثير الانتخابات الأميركية على مستقبل أوضاعه، فهو يبقى في نظر الدبلوماسية الأميركية، كما غيرها من الدول النافذة، مجرد مساحة جغرافية وساحة تنازُع تسيطر عليها إيران وحلفاؤها من أنظمة وميليشيات، وسيتم بالتالي التعامل معه وفقاً لهذا المنظور، سواء لجهة إنقاذه كوطن قابل للحياة، أو لمعاقبته كدولة فاشلة وحتى مارقة.