التكتيف قبل التكليف

29 آب 2020 19:20:20

"أسوأ من الأمونيوم"، كتب سمير عطاالله. (الشرق الأوسط 27/8/2020، ص24). 

نعم، محنة الأمونيوم في مرفأ بيروت، أسوأ منها محنة "التكليف والتأليف". فكّروا معي كيف يتمّ الانقلاب على الدستور. وكيف يتمّ الانحراف بالطائف. وكيف يريدون الإتيان برئيس حكومة إلى القصر الجمهوري مجلوباً، مكتّفاً، ومحروساً بحراسة السلاح. 

يذهبون إليه في الليل. يقولون له: "أجِب، شفيق يدعوك".(الصحائف السود- ولي الدّين يكن). يقف أمامهم مكتّف اليدين والرجلين، معصوبَ العينين، ثمّ يُقال له: "إلحق نفسك" إلى القصر الحكومي قبل أن تطير الفرصة من بين يديك. قبل أن يطير القصر من بين يديك. قبل أن نطبق عليك من الشرق والغرب. من الشمال والجنوب. من فوق ومن تحت.  وربما همسوا له في سريره في غلس الليل: وقّع كتاب استقالةٍ مسبقةٍ حتى لا يأتيك الباطل، لا من ظهرانيك، ولا من بين يديك. (فعلوها سابقاً مع وزراء جاؤوا بهم مقنّعين).  

يريدون، إذاً، رئيس حكومةٍ بصفة "مالك الحزين". 

قال له الثعلب، وهو يهمّ به: "يا مالك الحزين، إذا أتتك الريح عن يسارك، فماذا تفعل؟ قال: أضع رأسي عن يميني. وإذا أتتك عن يمينك. أضع رأسي عن يساري. وإذا أتتك من أمامك. أضع رأسي خلفي. وإذا أتتك من خلفك. أضع رأسي أمامي. وإذا أتتك الريح من كل الجهات. أضع رأسي تحت جانحي. قال له: أرني كيف تفعل؟ فوثب عليه ( كليلة ودمنة، بتصرّف).

باختصار، يريدون رئيسَ حكومةٍ لهم، يثبون عليه ساعة يشاؤون.

رئيسَ حكومةٍ يمسح لهم صفقة الأمونيوم، جريمة العصر.  يمسح حكم  المحكمة الدولية. يغطي العبث بالتحقيق الدولي، والهزل به. يمسح لهم إفلاس خزينة الدولة، ومصادرة أموال المودعين، وتهاوي الليرة، ومعها تهاوي الاقتصاد، وتهاوي البلاد والعباد.

يريدون رئيس حكومةٍ مكتّفاً قبل أن يكون مكلّفاً. مكتّف اليدين. معصوب العينين. بلا لسانٍ ولا قلب. ولا موقف. ولا رأي.

يريدون "التكتيف قبل التكليف"، ليقف أمامهم أقطعَ، أجدع، أصمّ، أبكم، أعمى، بين "وصيف" و"بغا"، تماماً مثل الخليفة العباسي في آخر شوط الخلافة العباسية في الانهيار، قبيل افتراسها. وصفه الشاعر آنذاك فقال فيه: "خليفةٌ في قفص، بين وصيفٍ وبغا، يقول ما قالا له كما تقول الببغا".

يريدون رئيس حكومةٍ مكتّفاً، معصوب العينين، لا يرى ماذا يجري حوله، لا في الشمال، ولا في الجنوب، ولا في المرفأ، ولا في المطار. ولا في المُغَر. ولا في المدن. ولا في باطن الأودية. ولا في صنين، ولا في سائر القنن، وسائر رؤوس الجبال وبطون الأودية.

 يريدون رئيس حكومةٍ، يحمل في عنقه منديلاً. ويضع بين يديه منديلاً. يجلس عارياً على قارعة الطريق، من الغرب إلى الشرق، أمام الشقيق والصديق، مشفوعاً ببركةِ التسوّل اللبناني القديم/ الحديث: "من مال اللّه يا محسنين".

يريدون رئيس حكومة يزوّر لهم "ثورة 17 تشرين الأول". يحرفها عن معانيها. يبصمُ لهم على تعيين مستشاريهم ومعاونيهم المقنّعين. يشاركهم في تزوير تاريخ لبنان، وفي تقطيعه إلى إقطاعات، وطوائف، ومحسوبيات. يعطي إجازة للمخلّين بالأمن، والخارجين على الدستور والميثاق، والمتواطئين مع محاور الخبث، والشرّ، والتجسّس، والاستخبارات، في الشرق والغرب.

يريدون رئيس حكومةٍ، يتاجر بالسلاح، ويتاجر بالحروب، ويتاجر بالشهداء، ويتاجر بالجرحى، ويتاجر بمعوّقي الحرب. ويتاجر بالصداقات، ويتاجر بالمعاهدات، ويتاجر بالمواثيق الدولية والعربية.

يريدون رئيس حكومة، يبصمُ لهم على بياض، قبل الدعوة للاستشارات. وبعد الدعوة للاستشارات. قبل التكليف. وبعد التكليف. وأثناء التأليف.

يريدون رئيس حكومةٍ، يأتون إليه في ليل، فيحمل إليهم رأسه أولاً،  يحمل إليهم تالياً رأس الشعب، ورأس لبنان، على "صينية".

يريدون رئيس حكومة، يمحو بـ"كمّه ما يقوله بتمّه (فمه)". يمحو جرائمهم المتقدمة. وجرائمهم المتأخرة. ويغني للأهل. للشهداء للمغدورين. للمقتولين. للمغتالين: "هيهات يا بو الزلف". 

يريدون رئيس حكومة، يقبل إليهم مكتّفاً، ويُدبر عنهم مكتّفاً. "يمضي (يوقّع) أولاً، ثم يمضي (يغادر) إلى حتفه كسابقه، إلى غير رجعة.

يريدون رئيساً مقامراً. مغامراً، يجلس في السراي، وينظر بعيداً. بعيداً، إلى بعبدا. وما بعد بعبدا، كيف تبتسم له، لا إلى الأمونيوم وهو يحرق بيروت أمام عينَي نيرون. يحرق لبنان. يحرقه هو، أمام التاريخ.

يريدون رئيساً يقبلُ بالانصياع لمشيئة "التكتيف قبل التأليف"، على أنها مشيئة قصر. لا يعرف ماذا يجري حوله. لا يعرف بالماء تسرح تحته. لا يعرف بتبدّل العصر. رئيساً مقطّعاً: أقطع اليدين، وأقطع الرجلين. يجلس في السراي، تماماً كما كان "يجلس الأقطع للقضاء" ذات محنةٍ من محَنِ دولة بني العباس.


*أستاذ في الجامعة اللبنانية

 
هذه الصفحة مخصّصة لنشر الآراء والمقالات الواردة إلى جريدة "الأنبـاء".