أي دورٍ في زمن الإنهيار؟

28 آب 2020 12:00:20

على مشارف مئوية دولة لبنان الكبير، يستعجل البعض الكلام عن نهاية الصيغة اللبنانية التي شهدت اضطرابات مأساوية منذ البداية حتى يومنا هذا، حيث وقع الإنهيار الكبير على مختلف الصعد. لم يبقَ من الدولة سوى هيكل يترنح، فأتى تفجير مرفأ بيروت في الرابع من آب ليُسقط ما تبقى من أملٍ في استمرار الصيغة التي كان اتّفاق الطائف قد حاول إحياءها منذ تسعينيات القرن الماضي.

تتعدد أسباب الفشل في بناء دولةٍ قابلة للاستمرار، بعد مرارة سنوات الحرب الأهلية. إن هكذا دولة تكون، بالحد الأدنى، بعيدةً عن منطق المحاصصة الطائفية والمناطقية. أما على أرض الواقع، فقد ساد نموذج الحكومات التوافقية التي كرّست مساوئ النظام السابق، وأضافت إليه كماً هائلاً من الفساد والإفساد نتيجة منطق الزبائنية، وهدر المال العام، والإفلات من المحاسبة. 

وتتحمل، بالطبع، كل القوى السياسية المشارِكة في حكومات الطائف مسؤوليةً متفاوتة في ما وصلت إليه الأوضاع. لكن المنطق البديهي يقود إلى الاعتراف أن حكومات الوحدة الوطنية كانت غالباً أداةً في أيدي أصحاب السلطة الفعلية، بدءاً من رموز الهيمنة السورية، وصولاً إلى من تسلّم، عند خروج الجيش السوري، دور الشرطي المحلّي. وقد تكرّس وضع اليد على الحكم بفضل فائض قوةٍ عسكرية ملتصقةٍ بمشروعٍ إقليمي، مما حوّل لبنان إلى منصة عداء لمحيطه العربي، فتحوّل لبنان ملحقاً، على نسق "العواصم العربية الأربع"، بالمحور الإيراني مما أدى إلى عزلته عربياً ودولياً.

لقد ساهمَ في نجاح مشروع الهيمنة على القرار اللبناني تراجعٌ عربيٌ عام، وقوى سياسية محلية ارتهنت لهذا المشروع الخارجي، وأمّنت له غطاءً شعبياً لبنانياً. وفي المقابل، تهيّبت قوى أخرى مجابهةً علنيةً واضحة له لضعف إمكانيات، ولعدم توافر قدرة شعبية كافية، ولخوفٍ من اضطرابات أمنية تنعكس على السلم الأهلي، كما لاحت البوادر في أيار 2008.

ورغم المحطات الإيجابية، وتحقيق خطوات إصلاحية جزئية في بعض المراحل، إلّا أن تجربة مشاركتنا في الحكومات المتعاقبة، كحزبٍ تقدميٍ إشتراكي، أثبتت صعوبة كبيرة في فتح ثغرةٍ في جدار النظام العقيم، وبالتالي الفشل في ترسيخ نموذجٍ مغايرٍ مستدام، لأن طبيعة النظام تعيد إنتاج نفس التركيبة الحاكمة المرتبطة بمحاور خارجية، وتؤكّد المؤكّد، أي أن النظام الطائفي مقفلٌ في وجه التغيير.

في اللغة السائدة حالياً، على وسائل الإعلام والتواصل، وبين الناس الغاضبين، كلّنا متهمون ومدانون، وبالصوت العالي. وقد ساهم في نشر هذا المنطق، التبسيطي والتضليلي، التقاء مصالح ومشاريع وأهواء وتطلعات متنوعة، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار. 

وتحت مقولة التعميم الأعمى، تضيع المسؤوليات، وينجو بعض المرتكبين من واجب المساءلة الأكبر. وتُظهر جريمة تفجير بيروت بأطنان نيترات الأمونيوم، و"تعليق المشانق" بالجملة، إمكانية تشتيت المسؤوليات الفعلية، بدل تصويب الاتّهام، والتركيز المنطقي على الممسكين الفعليين بالمرفأ، كما الساكتين على هذا الواقع المزمن والمعلوم لضرورات تبادل المكاسب والمنافع.

وعلى عكس خطاب الفئات الشبابية المطالب بالخروج من الحالة الطائفية المَرَضية، تتصاعد مؤخراً أصواتٌ مشبعةٌ بالتعبئة الطائفية وتخاطب غرائز الناس، فتكثر التعابير التي تعيد التذكير بأسوأ أيام الحرب، حتى أن بعضها يجنح نحو إرادة الخروج من الدولة الواحدة، كما لو أن الاحتقان السابق وجد صاعقه في انفجار مرفأ بيروت.

إن السؤال الأول الذي يعلو على أي سؤالٍ آخر هو حول كيفية الخروج من المأزق كي لا نصل إلى ضياع وطننا الجميل. إن المأزق هو، أولاً، مأزق السلطة والائتلاف الحاكم، لكنه أيضاً مأزق الناس العاديين، ومأزق الأحزاب والقوى السياسية. إنه مأزقٌ جدّي لن نتهرّب باللّف والدوران، والادّعاء أننا خارجه، لأنه يشمل كل من يعمل في الحقل السياسي. بل نعلن بكل جرأةٍ جاهزيتنا لتحمّل مسؤولياتنا وإرادتنا بالمساهمة في كتابة تاريخ المرحلة القادمة التي ستحدّد مستقبل الوطن. إن وجودنا متجذرٌ في أرضنا الطيّبة، ونفتخر بأننا سطّرنا محطات نضالية مشرّفة، وأننا طرحنا منذ عقود أرفع مشروعٍ للإصلاح السياسي، وهو لا يزال صالحا للانتقال بلبنان من مزرعة الطوائف المتناحرة إلى رحاب الوطن الواحد، والدولة السيّدة الجامعة لكل اللبنانيين، خارج القيد الطائفي.

إن حزب المعلّم كمال جنبلاط الذي حمل مشروع الإصلاح السياسي للحركة الوطنية قادرٌ أن ينتفض على الواقع المرعب، وأن يصوّب الخطاب، وأن يستمر بحمل مشعل التغيير عبر برنامجه السياسي الوطني، والاقتصادي الاجتماعي اليساري، وأن يتماهى مع مطالب الشعب المقهور والمنهوب، وأن يترجم، بالنتيجة، طروحاته أفعالاً على الأرض، في مسيرة صعبة، لكن غير مستحيلة.

في زمن التغيّرات الجذرية في المنطقة العربية، وعلى أبواب المئوية الأولى للبنان الكبير، نحمل مشروعنا ونخوض غمار التغيير، لأن المشهد اللبناني يجب أن يتحول من مشهد زوال إلى مشهد حضور، ولأن فعالية البناء أقوى بما لا يقاس من فعالية التفتيت والتخريب.

(*) نائب رئيس الحزب التقدمي الإشتراكي