من يحمي "مهنة المتاعب" من المتطفّلين عليها؟

28 آب 2020 08:56:00 - آخر تحديث: 06 أيلول 2020 22:39:05

كتبت درويش عمار في "اللواء":

كاتب ومحلل سياسي أو  اقتصادي أو كلاهما معاً.. هذه الصفة باتت تطلق في أيامنا هذه على مجموعة لا بأس بها من الأشخاص الذين ينتحلون صفة كاتب أو محلل أو ناقد سياسي أو  اقتصادي إلى  غير ذلك من الصفات.

المضحك المبكي أن عدداً من وسائل الإعلام المكتوبة والمسموعة والمرئية تتحفنا صبحاً وظهراً ومساءً وعلى مدار  الساعة بمثل أولئك المحللين الذين يتنبأون بما سيحصل في لبنان، لا بل في المنطقة والعالم في معظم الأحيان، محللين  أقاويلهم وآراءهم وتحليلاتهم بأسباب عديدة، يدّعون من خلالها انهم يحصلون على معطياتهم من مصادر أو مراجع مختصة من هنا وهناك دون ان يشيروا أو يؤكدوا للقارئ أو المستمع أو المشاهد مَنْ هي تلك المرجعيات والمصادر التي تزودهم بمثل تلك المعلومات والتي هي في اغلب الأحيان لا تنطبق على الواقع في البلد أو في غيره، مما يدفعنا للتساؤل عن مدى الاهتراء الذي وصلت إليه مهنة «المتاعب» في لبنان في الوقت الحالي. أضف إلى ذلك العجائب والغرائب المتلاحقة والتي تنشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي من اناس يدّعون ايضا انهم صحفيون أو إعلاميون أو محللون وهم بالتأكيد أبعد من ان يكونوا على صلة بهذه المهنة الشريفة.

شتان شتان ما بين الماضي والحاضر في عالمنا هذا، إذ كانت صفة كاتب أو محلل أو ناقد سياسي أو اقتصادي تعني الكثير وتشكل قيمة بحد ذاتها من خلال الهامات الإعلامية والصحفية التي كانت إن كتبت أو حللت أو انتقدت تنقل الواقع بصدق وامانة وتعبر عن كل ما يجول في البال والخاطر بأدب وتهذيب واخلاق ومرونة وشفافية، وإن تحدثت عبر وسائل اعلام مسموعة ومرئية كانت تسرق الآذان للإصغاء إليها جيداً كما القلوب والعقول في آن معاً لكي يستفيد منها المتلقي ويحصل على المعلومات ويبني عليها للمراحل القادمة.

فكانت الأقلام إن سكبت حبرها على بضع وريقات بيضاء حولتها إلى بحر من المعلومات الدقيقة التي يمكن للمرء ان يغرف منها وأن يستشف الأمور بوضوح على حقيقتها لاستكشاف آفاق الحاضر والمستقبل، وكانت تلك الهامات الإعلامية إن حكت تعطيك زبدة الخبر وتنقل إليك الصورة بوضوح بما قلّ ودلّ من الكلام الرصين الهادف والبنّاء.

اما في أيامنا هذه، وللأسف، يلجأ بعض المدعين والمطلقين على أنفسهم لقب «محللين» إلى اعتماد أسلوب رخيص لا يمت إلى الإعلام والصحافة بصلة، وفي اغلب الأحيان تكون تحليلاتهم ومعلوماتهم أقرب إلى التبصير والتوقعات من دون أي دليل مقنع وموثوق.

ولو قدر لنا ان نعود إلى بعض تلك الهامات الإعلامية الكبيرة التي عاصرناها حتى الأمس القريب، للدلالة على مدى الفرق الشاسع بين الأمس واليوم لتمكنا وعلى سبيل المثال لا الحصر ان نستشهد بأسماء لمعت وبرزت في حقل الصحافة والإعلام وقد رحلت إلى العالم الآخر، ابرزهم الكاتب الكبير محمّد حسنين هيكل والأستاذ غسّان تويني وعميد «اللواء» عبد الغني سلام ووفيق الطيبي وسعيد فريحة ونسيب المتني وكامل مروة وسليم اللوزي والنقيب رياض طه والنقيب محمّد البعلبكي والنقيب ملحم كرم وادمون صعب وجوزيف سماحة وانيس الحاج من عمالقة الصحافة والإعلام الذين كانوا يصولون ويجولون في ميدان الإعلام الرحب والفسيح،وإن ننسى فلن ننسى الكتّاب الكبار في ايامنا هذه- اطال الله بأعمارهم- امثال الأساتذة طلال سلمان وصلاح سلام وسمير عطالله وجهاد الزين وسركيس نعوم وعبد الباري عطوان وغيرهم..

ومن هنا يمكن التأكيد بأن الحبر لم يعد حبراً والكلام لم يعد كلاماً والفكر لم يعد فكراً والنقد لم يعد نقداً، وما علينا نحن المتلقين الا ان نقرأ ونشاهد ونسمع كلاماً مبتذلاً من قبل البعض، وندعو الله ان يحمي هذه المهنة الكريمة والشريفة من المتطفلين عليها لكي تعود صناعة الخبر صناعة بحد ذاتها، وفن الخبر ونشره صادقاً وشفافاً بحيث لا يُشكّل أي احراج أو ردة فعل عكسية من قبل هذا أو ذاك في عالم السياسة والاقتصاد والأمن والمجتمع ككل.

فكيف الأمر ولبنان ينزلق حاليا نحو الهاوية بسرعة البرق على مختلف الصعد، في حين ان هناك غياباً شبه تام للمؤسسات المعنية بوضع حدّ لهذا التفلت الإعلامي، ومن هنا يأتي دور كل من وزارة الإعلام والمجلس الوطني للاعلام ونقابتي الصحافة والمحررين ونقابة العاملين في الإعلام المرئي والمسموع ونقابة المصورين الصحافيين وغيرها لاتخاذ كل التدابير والإجراءات القانونية بحق كل من تسوّل له نفسه التعدّي على مهنة الصحافة والإعلام في لبنان، وذلك حفاظاً على أمن البلد وسلامة أهله واقتصاده كما على الحريات العامة التي يجب ان يكون لها ضوابط ضمن حدود الأصول والقوانين المرعية الاجراء وهذا هو طموح كل اللبنانيين الذين سينتظرون ذلك حتى اشعار آخر.