المسؤولية في زمن الكورونا

26 آب 2020 19:45:00 - آخر تحديث: 26 آب 2020 22:47:43

بغمضةِ عين اجتاح العالم وباءٌ مجهولٌ وخطير، وُلِد في الصين، وأحبَّ أن يجول العالم بدون جواز سفر ولا ترخيص، مخترقاً حدود جميع الدول. وكان زائراً ثقيلاً غير مرحّب به قيّد أبناء كل دولةٍ قَطن بها، فسارع كل من هو في موقع المسؤولية لإصدار قراراتٍ واتّخاذ إجراءات لمحاربة هذه اللعنة العالمية.

استطراداً، ألفتُ الأنظار إلى أنّ البعض رآها، فعلاً، لعنةً صحيةً عالمية، ولكن آخرون رأوها لعبةً عالمية، وفئة أخرى رأتها ملعوباً سياسياً، وآخرون رأوها غضباً ربانياً نتيجة الشرور، والفساد المنتشر في العالم.

 تنوّعت الآراء من الصين وصولاً إلى "لبنان". بدايةً الفئة الكبيرة من الناس التزمت بإجراءات الحجر المنزلي، ووضع الكمّامات، والتباعد، وغيرها، حيث لا خروج من المنزل إلّا للضرورة مع اتّخاذ كافة الإجراءات. وتَقرّر الإقفال التام بظل وجود حالاتٍ لا تزيد عن العشرين يومياً، فتغلبوا على ما سُمّيَ بالموجة الأولى. بعدها عادت الحياة إلى شبه حالتها الطبيعيّة، ففُتِح المطار، وكذلك الأسواق، والمؤسّسات، والمسابح، والمساجد، والكنائس، وعاد طلاب الجامعة اللبنانية إلى مقاعدهم لإتمام الامتحانات الحضوريّة، وعادت الاجتماعات، فارتفع العدّاد، وزادت الإصابات، فلم نرَ أي توجّه لإقفال البلد، أو إيقاف هذه المخالطات، مما دفع الناس إلى التراخي أكثر، ومخالفة الإجراءات، وعدم الالتزام، وازدياد في شكوكهم بأن لا وجود لوباء الكورونا وما هو إلّا ملعوب سياسي بامتياز على حساب الصحة.

رأينا العديد من القرارت، لكن أبدأ بتوجيه النقد لأسوأها. لا تنسيق بين الوزارات، ووزير الداخلية يُصدر قرارت بمنع إقامة حفلات الزفاف بشكلٍ تام، بينما وزير الصحة يُعطي استثناءاتٍ لذلك؛

الحكومة جسدٌ واحد، ومن المفترض أن تكون قراراتها متناسقة فيما بينها، وألّا تضع الناس في دوامةٍ وضياع أكثر مما هم عليه. والأسوأ أنه عند الاعتراض على الوزراء، وطلب التحسين، والقيام بواجباتهم بالشكل الصحيح، يقدّمون أعذاراً أقبح من الذنوب!!

القرار بالإقفال الجزئي، يأتي بعد الفشل في التنسيق بين الوزارات، ولهذه الساعة لم يفهم أحد ما المغزى من الإقفال مساءً، والحياة الأكثر من طبيعيّة نهاراً. نُقفل البلد بعد السادسة مساءً، فتُمنع جميع النشاطات بعد السادسة إن كانت رياضيّة، أو لكسب الرزق، أو غيرها ويُسمح بكافة أنواعها في النهار بدون رقابة أو تنظيم لفضّ التجمّعات ومنعها. هل من علاقةٍ بين الليل والكورونا؟

ومع قرار المفرد والمزدوج مع سير حركة الأشغال، وتعطيل النقل العام، يعجز اللسان عن الحكم عليه مع العلم أنه في ظل انتشار الكورونا كان من الأجدر ترك كل شخص للتنقل بآليّته الخاصة، وعدم اضطراره لأخد سيارة أجرة، أو الصعود مع صديقه... 

ومع ازدياد العدّاد والخروج عن السيطرة، نصل يومياً لما يفوق المئة حالة. لكننا لم نرَ قراراً بالإقفال التام للبلاد، ولا داعي للهلع!! أهو فعلاً ملعوب سياسي، ومجرد أرقامٍ وهمية، وترهيب للناس، مع عدم وجود مصلحة سياسيّة لهذا الإقفال اليوم؟ وأكثر من ذلك تُقرّر وزارة التربية العودة إلى الحياة الدراسيّة في الثامن والعشرين من شهر المدارس، أي شهر أيلول بخطة معيّنة ومدروسة. نقول "مشكورين"، ولكن المصيبة تكمن بأنهم يعتبرون الأطفال فأر تجارب، إذ سيقومون بمراقبة العدّاد لفترة معيّنة، وإذا ما زاد نلجأ إلى أسلوب التعليم عن بُعد الذي لا رقابة عليه، ومن دون تنسيقٍ مع وزارة الاتصالات لتأمين شبكة جيّدة، ولا تكافؤ بين الأفراد لناحية وصول المعلومات للجميع. لا رقابة على الأساتذة لمعرفة ما إذا كانوا يجيدون التعليم عن بُعد، أو إذا كانوا يتعاطون مع الطلاب بشكلٍ لائق،  وغير ذلك من الأمور. حدّث بلا حرج... 

وختاماً، لا زلنا نكافح بوجه الكورونا. ورغم غياب الدولة، ومع صدور قرارات اللّا- منطق التي تستخف بعقولنا، علينا أن نكون جميعاً على قدرٍ من المسؤولية، فدِرهم وقاية خير من قنطار علاج، ليس التزاماً بهذه القرارات، ولكن من باب المسؤولية الشخصية تجاه أرواحنا، وأرواح من هم حولنا، وحمى اللّه الجميع.

 
هذه الصفحة مخصّصة لنشر الآراء والمقالات الواردة إلى جريدة "الأنبـاء".