سفينة للعلم والحياة... وأخرى للموت والدمار

25 آب 2020 11:20:00 - آخر تحديث: 25 آب 2020 14:52:20

هناك من يحمل الحياة والعلم...
وهناك من يحمل الموت لك...
اللّه، اللّه، اللّه، اللّه.... يا لبنان...

في القرن السابع عشر جاءت سفينةٌ إلى ميناء جونية في لبنان تحمل بعثةً يسوعية، وجلبت معها النور والعلم. والعلم هو نور الحياة...

جونية اللبنانية، مدينة النور، وأرض الليمون، ومن أجمل مدن لبنان الساحلية. وهي عروس الشاطئ اللبناني، حيث تبعد جونية عن شمال العاصمة بيروت حوالى 20 كم فقط، وتقع في كسروان، محافظة جبل لبنان.

هاج بحر هذه المدينة الساحرة في عام 1656، فقذف بسفنيةٍ مجهولةٍ إلى رمالها، وأُلقيَ القبض على ركابها، ثمّ سيقوا إلى الشيخ أبي نوفل كسروان  الخازن، حاكم المدينة.
وكان الشيخ أبو نوفل مدبرَ الأمير ملحم، ابن شقيق الأمير فخر الدّين، ومستشاره. وعندما أحضر الحرّاس ركاب السفينة لأبي نوفل، وكان بينهم راهبان يسوعيّان، أحدهما الأب فرنسيس لامبر. استبقاهما الشيخ أبو نوفل، ووهبهما أرضاً في عينطورة، وساندهما بالمال لبناء مدرسة، علماً أنّه عندما حلّ البابا كليمان الرابع عشر جمعية اليسوعيين في أوروبا عام 1773، تسلّم أديرة مدرسة عينطورة وسلّمها إلى الآباء العازاريين، ولا يزالون موجودين حتى يومنا هذا.

كان الشيخ أبو نوفل الخازن محباً للعلم، وحاكماً ذكياً، فمنحه لويس الرابع عشر لقب شرف فرنسيٍ رفيع في عام 1658، وكأنه مولودٌ في فرنسا، وسمّاه بموجب براءة منصب قنصل بيروت في عام 1662،على أن يخلفه ابنه في هذا المنصب بعد وفاته مدى الحياة. وهذه البراءة محفوظة عند الشيخين أمين، وغسان كسروان الخازن.

وما يعنينا في هذه القصة الخاصة بتاريخ لبنان، هو أن هذه السفينة التي احتضنتها رمال جونية بعد قذفِ البحر لها، كانت سبباً في إقامة مدرسة للعلم والنور والحياة، بينما السفينة روسوس التي أصابها عطلٌ فنيٌ في عام 2013، وكانت في طريقها إلى موزمبيق، ورست في مرفأ بيروت لإصلاح هذا الخلل. كانت السفينة تحمل 2,750 طناً من مادة نيترات الأمونيوم، وهي التي حوّلت مدينة الجمال والسحر، بيروت، إلى مدينة منكوبة.

سفينة القرن السابع عشر حملت العلم والنور من خلال الآباء اليسوعيين الذين كانوا على متنها، بينما السفينة "روسوس" حملت الأمونيوم وسبّبت دمار بيروت.

"الله يحمي لبنان وأهله الغاليين..."
هذا ما كتبته الأستاذة سارة السهيل
من محبتها ومواساتها لكارثة لبنان...
نعم. صدقتِ، ونزيد لنقول:
هذا هو الفرق بين من يأتي بناسٍ من أهل العلم من أجل الحياة، والقضاء على الجهل، ولبناء الحجر في وطن يحبّه كل البشر... ومن يأتي بجهلاء للقضاء على حياة البشر، وتدمير الحجر، وكل شيء في الوطن.
وللأسف لا أحد يريد أن يغيّر قواعد تلك المنظومة المشؤومة، ولا أن يشقّ مساراً  آخرَ في الإصلاح، وفي التغيير الحقيقي!!.. أو يكسر هذا الجمود الضارب في أعماق الأزمات، حتى وكأنها جدلية أشبه ما تكون بهزلية لا تنتهي. هذا واقعنا الأمس واليوم...
والتجاهل كالغرور، مرضٌ كسائر الأمراض النفسية الفتاكة، بل هو أشدّها فتكاً، وأكبرها تدميراً. فالمغرور يجهل قدر نفسه فيضعها فوق موضعها، ويصبح بذلك سخرية الساخر ، ولو عقلَ لأدرك أن في الناس من هو خيرٌ منه. ولكن مركب النقص الذي يبتلى به المغرور، هو الذي يجرّ عليه احتقارَ، واستخفافَ، وكراهية الناس...

سيصرخ الوطن، وستنتفض ضمائر الأحرار...
وستستيقظ الوطنية الحقيقية، ولتكن الخطوة الأولى في ممرّ الخروج من نفق الفساد والطغاة، معلنةً صدقَ المصداقية، ومتخذةً نزاهةَ الأخلاق شعاراً.
ولتكن حرية واستقلالية الرأي والقرار حقيقةً، وأحقية التغيير رايةً تعلو على تراب الوطن، وهي راية تعلو كل الرايات. ولكن هل من سامعٍ يسمع النداء، وهم بعض المتمسّكين بمواقع وكراسٍ؟
كفى لبنان، باللّه عليكم، عذاباً وشقاء.  ولكن يا ليت الضمائر تصحو، ولو متأخرة!.

 
هذه الصفحة مخصّصة لنشر الآراء والمقالات الواردة إلى جريدة "الأنبـاء".