لبنان أمام مرحلة جديدة

20 آب 2020 06:07:00 - آخر تحديث: 21 آب 2020 15:12:36

ثمة واقع جديد فرضته التطورات على لبنان، ومن المؤكد أن البلد أمام مرحلة جديدة تختلف عن الحقب السابقة، ولهذه المرحلة خصائص ربما تكون قاسية ومتعبة جدا، وربما تكون سهلة وتحمل الانفراج.

وانطلاقا من المعادلات التي فرضتها التطورات السياسية والأمنية الأخيرة، لا سيما زلزال المرفأ الذي زرع الدمار في بيروت، والاختناق المالي وتفشي وباء كورونا، وصدور الحكم بملف اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، يمكن التأكيد أن لبنان لا يعيش مع «الموت البطيء» لفترات أطول، ذلك أن الانهيار واليأس وصلا الى الحدود القصوى، وأصبح البلد أمام معادلتين مؤكدتين لا ثالث لهما، إما الانفلات من الأسر والبقاء على قيد الحياة، وإما الاندثار نهائيا والدخول في مستقبل مجهول.

كل الأزمات الثقيلة التي تعيشها بلاد الأرز ناتجة عن معادلات سياسية وأمنية غريبة فرضتها الفوضى والتعطيل اللذان حصلا بعد العام 2014، بعد أن شعرت قوى «الممانعة» بأنها سيدة الموقف ويمكن لها أن تفرض ما تشاء من المعادلات، وهكذا كان، ابتداء من انتخابات رئاسة الجمهورية في نهاية أكتوبر 2016 بعد فراغ دام أكثر من عامين ونصف العام.

وكان لتلك المعادلة ثمن باهظ على الوضع المالي والاقتصادي.

ومن دون التوسع في التحليل، فإن تداعيات الاغتيالات والفوضى الأمنية والتسيب في مؤسسة الدولة وخراب الاقتصاد، سببه هذا الاستقواء الذي فرضته معادلة السلاح المتفلت تحت شعار: أو يحصل كما نريد أو نعطل كل ما لا نريد.

الاضطراب الأمني والسياسي والبهورات التهديدية الحالية ناتجة عن انسداد الأفق أمام قوى الممانعة، وهي في مقدمة من يتحمل مسؤولية الانهيار على كل المستويات، كما تتحمل عبء الاختلال في موازين القوى في الداخل، وهذا الاختلال يعتبر العامل الأول باهتراء الدولة.

تحاول القوى المسيطرة على السلطة أن تنقض على ما تبقى من مقومات حيوية للبلد، ومع هذا الانقضاض يمكن إخفاء معالم التشوهات التي حصلت، أو العبث بنتائج التحقيقات التي ستحصل، أو كتابة التاريخ وفق وجهة نظر «المنتصر»، وبالتالي تسويق الشعارات التي تخفي مبررات الهيمنة، ومنها موضوع توازن الرعب وغير ذلك، بينما غالبية اللبنانيين ومنهم جزء من البيئة التي تحتضن «قوى الممانعة» لم تعد على قناعة بهذه الشعارات، وهؤلاء جميعا يريدون دولة قوية وعادلة ومحايدة تحفظ مستقبل أبنائهم.

انطلاقا من معلومات وتحليلات مؤكدة، يمكن رسم ملامح المرحلة الجديدة بعناوين محددة، أهمها فرض شراكة حقيقية وبمحبة صادقة - كما قال البطريرك بشارة الراعي - تعطي الأمل ببقاء لبنان، وتؤكد حق كل المكونات اللبنانية بالمشاركة في الحياة الوطنية وفي السياسات السيادية، وهذه المشاركة مفقودة بالكامل حاليا، وغالبية هذه المكونات لا تريد المواجهة في الشارع أو بالسلاح لاستعادة تأثيرها، لكن السيل بلغ الزبى، ولم يعد بمقدور فئات لبنانية كثيرة احتمال التهديد والتخوين والتهميش والتجويع الذي أصابها، وهؤلاء لا يحتملون هيمنة كاملة لفئة واحدة على البلاد وتفرض نوعاً من الاحتلال، وهذه الفئة وحدها تملك السلاح وتهدد بالحرب الأهلية، وليس هناك طرف ثانٍ غيرها يملك سلاحاً لخوض مثل هذه الحرب اللعينة، علما أن اللبنانيين معتادون على مقاومة الطغيان، كما حصل مع الاحتلال الإسرائيلي، ولا يقبلون الإذلال إذا اقتضت الضرورة.

القوى الأجنبية التي تتواجد أمام السواحل اللبناني تعلن أنها أداة مساعدة للبنان في محنته وليس لها أي مهمة أخرى.

أما التسوية الداخلية التي تقضي بتحييد لبنان ورفع الهيمنة عن الدولة وضبط تأثير السلاح غير الشرعي، فهي ضرورية ومطلوبة قبل فوات الأوان، لامتصاص غضب غالبية اللبنانيين لاسيما بعد صدور حكم المحكمة الدولية وبعد المأساة التي أصابت بيروت.