دولنة الدّولة: لن ندخل الجحيم مرّتَيْن!

18 آب 2020 12:02:00 - آخر تحديث: 19 آب 2020 10:16:24

الدّولنة التّي نعنيها هنا هي الاتّجاه لجَعْل قضيّة انفجار بيروت قضيّةً دوليّةً يحقّ للخارج بالتدخل المباشر، أو غير المباشر، في تفاصيل الحياة اللّبنانيّة سياسياً، واجتماعياً، واقتصادياً. وهنا لا بدّ من الإشارة إلى أنّ هذه التدخلات الدّوليّة لها أسبابها وخلفياتها، والتي سهّل الانفجار تسللّها إلى الدّاخل اللّبناني.

ممّا لا شكّ فيه هو أنّنا أمام ولادة جديدة للبنان، على أساس: لا حرب، لا عنف، ولا طائفية. ذلك أنّنا عرفنا  ويلات الحرب من دمارٍ، وتهجيرٍ، وقتلٍ، وفَقْد. ومن المستحيل للوعي الوطنيّ الجماعيّ أن يعيدنا إلى الجحيم مرةً أخرى.

وفي الفترة السّابقة كان لبنان، كوطن، يأتي في المرتبة الثانية عند بعض الأطراف السّياسيّة، لأنّ مصلحة الطّائفة وارتباطاتها الخارجيّة لا تسمح لها بالتّفكير بوطن الشراكة، ولبنان الحياد، مع الانفتاح على الخارج بعلاقاتٍ دبلوماسية ترعاها السّفارات. والمعروف أنّ هذا الارتهان الخارجي عَمَّقَ الانشقاق الداخلي وسمح  بالتغلغل الخارجيّ، ومن ثَمَّ التأسيس لدولة فساد على جميع الأصعدة.

ولبنان، كموقعٍ استراتيجي، جذبَ إليه الاهتمام الإقليمي والدّولي. ففرنسا التي هرع رئيسها بعد الانفجار إلى لبنان إنّما كان لتأكيد وجود فرنسا في إحدى مستعمراتها القديمة، مع ما يعنيه هذا الوجود من تثيبت لقوة فرنسا في الشرق الأوسط، ولمساعدتها على مدّ نفوذها من جديد عبر البوابة اللّبنانية.

وليس بعيداً منها، نجد أميركا عبر فريق الـ FBI  للمساعدة في التحقيق في أسباب الانفجار، ما يعني محاولة التغلغل بشكلٍ جديد. 

أمّا إيران، فإنّ مصلحتها تتمثّل في تنفيذ المشروع التوسعيّ للهلال الخصيب، والذي يُعتبر لبنان واحداً من أهدافها، ويُمثّل حزب اللّه انعكاساً لوجودها حيث إمداده المالي والعسكري المباشر هو من إيران.

وفي المقابل نرى المحور العربي، وعلى رأسه العربيّة السعوديّة، وقد سعت غير مرّة لتقييد مشروع إيران عبر تحريك مجلس التعاون الخليجي، وجامعة الدول العربية. 

واللّافت في الموضوع هو ظهور تركيا، ومعها قطر، الساعِيَتَيْن لبناء نفوذٍ في المنطقة. 
 
إزاء هذا التمزّق الداخلي واللّعبة الخارجيّة، تبدو إسرائيل أقلّ انفعالاً، لأنّ هذا التناحر على أرضنا يعطيها المزيد من الهدوء والاستقرار، خاصةً وأنّ الظروف الحاليّة لا تشير إلى أنّها بصدد القيام بهجومٍ على حزب الله.

وأمّا على السّاحة الدّاخلية، فلعلّ الاستحقاق الأكبر اليوم هو لضرورة تأليف حكومة حيادية تحظى بموافقة جميع الأطراف، وتعمل على الخروج من نفق الأزمة الاقتصادية لإرساء قواعد الإصلاح بالشّكل الذّي يؤمّن مصلحة لبنان أولاً، بعيداً عن المحاصصة والتّفرد بالقرار. والمطلوب اليوم هو عدم دولنة، أو تدويل لبنان، خاصةً مع وجود البوارج الراسيّة على الشّاطئ، وهو ما يدعو إلى القلق إزاء ما ينتظرنا في الأيام المقبلة، والتي ستثبت السيناريو الأصح للتفجير، سواءً أكان إهمالاً حكوميّاً، أم تورطاً لجهة معيّنة!

 
هذه الصفحة مخصّصة لنشر الآراء والمقالات الواردة إلى جريدة "الأنبـاء".