لبنان بمهب التدويل: واشنطن تقطف "تعب" ماكرون

14 آب 2020 13:23:27

تتلاعب الولايات المتحدة الأميركية مجدداً بكل القوى وعلى الساحات كلها. علاقات وخصومة مع الجميع وفي آن واحد.

فخ أمبركي لباريس؟

وفي لبنان ثمة سؤال يطرح: هل نصبت واشنطن فخاً لباريس؟ فبعد "الحماسة الشعبية" الفائقة التي أبداها الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، في شوارع بيروت، مخاطباً اللبنانيين الغاضبين ومشاعرهم التوّاقة إلى من يحتضنهم.. بدأت تبرد المشاعر والعقول التوّاقة إلى الإدراك ومراقبة ما يحدث.

لا يبدو أن واشنطن في وارد منح فرنسا ما تريده من أدوار بارزة، أو استعادة الدور الذي لعبته قبل مئة سنة في لبنان، على الرغم من إصرار ماكرون على إظهار نفسه بهذه الصورة.

لا تريد الولايات المتحدة الأميركية شريكاً لها في لبنان، بل تريد لأي راغب في التدخل أن يكون تحت مظلتها، ولا يتمتع بشيئ من استقلال عنها. فبعد تفجير المرفأ والشروط الأميركية لإعادة إعماره، وإرسال واشنطن فرق إنقاذ ومساعدات وتنسيق مع الجيش اللبناني، يكون لواشنطن منفذ أساسي على البحر الأبيض المتوسط، ومطل كبير على مسارات ترسيم الحدود بين لبنان وإسرائيل، وعلى القاعدة البحرية في عمشيت، والقاعدة الجوية في حامات المشرفة على البحر، مروراً بمبنى السفارة الأميركية الجديد الضخم.

للتجربة الأميركية مع الفرنسيين والبريطانيين في منطقة الشرق الأوسط قراءات متعددة، ومرارات كثيرة. يمكن الاستعانة بكتب المؤرخ البريطاني جيمس بار، للإطلاع على تفاصيل التفاصيل في هذه العلاقات والخلافات والمضاربات. في تلك الحقبة الاستعمارية، يتقصى بار الخلافات البريطانية الفرنسية، والميل الفرنسي إلى الأميركيين لمواجهة البريطانيين، فيما كانت المملكة المتحدة تواجه قضم نفوذها في المنطقة. ونجحت واشنطن في السيطرة على أبرز مناطق النفوذ البريطاني، بعد خلاف فرنسي - إنكليزي على آلية وضع وتطبيق اتفاقية سايكس بيكو. واليوم يستعاد المشهد فرنسياً وأميركياً.

وحدة وطنية وحياد
يريد إيمانويل ماكرون أن يكون صاحب دور مؤثر ومتمايز عن الأميركيين في المنطقة. ولذلك يتقرب من إيران وحزب الله ويتعاطى معهما بواقعية، في ظل التصعيد الأميركي غير المسبوق ضدهما. وهو يراهن، مثل كثيرين من حلفاء حزب الله في لبنان، على تحيّن وقت المفاوضات التي تمهد لاتفاق أميركي - إيراني. وحينذاك يعتبر ماكرون أنه أبرز الكاسبين.

ووفق هذه النظرة سارع ماكرون إلى زيارة بيروت بعد تفجير المرفأ، متجاوزاً قانون قيصر والعقوبات الأميركية بلقائه النائب محمد رعد، ودعوته إلى تعاون القوى السياسية اللبنانية في ما بينها، وصولاً إلى الدعوة إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية. وظنّ الجميع أن التسويق الفرنسي قد نجح. لكن سرعان ما خابت الآمال والظنون، حينما ظهر الموقف الأميركي رافضاً حكومة الوحدة الوطنية، ومتمسكاً بحكومة الحياد.

وتراجع الفرنسيون عملياً عن طرح حكومة الوحدة الوطنية السياسية، وذهبوا إلى خيار البحث عن حكومة مصغرة مهمتها إجراء إنتخابات نيابية مبكرة. أما الأميركيون فلم يقولوا كلمتهم بعد، باستثناء توافقهم الكامل مع السعوديين على رفض حكومة الوحدة الوطنية، أي رفض مشاركة حزب الله في الحكومة.

شروط واشنطن الدائمة
المواقف في دوامة، ولم يبرز منفذ منها حتى الآن. مع ميل بعض القوى إلى الرضوخ للشروط الأميركية، تجنباً لعقوبات جديدة تلوح بها واشنطن مجرد تلويح، قبل زيارة ديفيد هيل.

لا تزال الشروط الأميركية على حالها. الدور الذي تصدره الفرنسيون بعد كارثة المرفأ وبيروت، نجم عن مسعى دولي لـ"لفلفة" تداعيات التفجير وأسبابه وحجم المجزرة التي تسبب بها. بادرت فرنسا، ولكنها لن تصل إلى ما تريده من دون موافقة أميركية مرتبطة بتحقيق شروط واشنطن. أخذت باريس فرصة الحضور، فيما استغل الأميركي التحرك الفرنسي لفتح الأبواب أمام بازار الشروط.

نزاع دولي وإقليمي 
وتتسع آفاق الأزمة اللبنانية وتتشعب أكثر فأكثر: تدويل التحقيق في تفجير المرفأ، مشاركة دولية بارزة في توزيع المساعدات، وكلام ماكرون عن مواجهة المشروع التركي. وهذا يعني أن لبنان دخل في دوامة جديدة من صراعات المنطقة.

صحيح أن ماكرون طلب من روحاني وقف التدخل الخارجي في الوضع اللبناني، لعلّه ينجح بتحقيق ولو خطوات بسيطة من مبادرته. لكن هذا يصعب تحقيقه لوقوع لبنان على فالق جديد من الصراعات الإقليمية والدولية، والتي يستفيق فيها التاريخ. وهذا ما استدعى رداً سريعاً من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي اعتبر أنه لا يغامر في علاقته مع لبنان، والعلاقة التركية - اللبنانية تاريخية، وتضم أواصر الصداقة والأخوة، بعكس الآخرين الذين يستهويهم التقاط الصور أو "استعادة زمن الاستعمار".

يأتي هذا التجاذب في ظل إرسال الفرنسيين حاملة طائرات مروحية، وتكثيف وجودهم العسكري في البحر المتوسط، مراهنين على العلاقة بمصر (وقبرص)، وساعين لإغواء دول الخليج، وخصوصاً السعودية لتهدئة الوضع في لبنان، مقابل مواجهة المشروع التركي.

ويقوم اهتمام باريس بالبحر المتوسط على العلاقة مع مصر واليونان وقبرص، والاهتمام بلبنان وليبيا. وهنا لا بد من مراقبة الموقف الأميركي، فلولاه لما دخل التركي إلى ليبيا بهذه القوة والفاعلية، وأثبت حضوره في البحر الأبيض المتوسط. ويجب مراقبة إلى جانب من سيقف الأميركي في النزاعات الدائرة في الشطر الشرقي من البحر المتوسط. وهنا تجدر الإشارة إلى وضوح التنسيق الأميركي - التركي في سوريا.

تدويل لبنان؟ 
وسط هذه الحسابات المتضاربة، ثمة أمور لم ينتبه لها اللبنانيون بفعل تداعيات انفجار المرفأ: وصول فرق إنقاذ كثيرة ومحققين غربيين كثر (بل ووحدات عسكرية) إلى الشاطئ اللبناني، ومشاركتها في توزيع المساعدات وإشرافها عليه، إضافة إلى مشاركتها في التقصي وفي التحقيقات.

هذا شطر من تدويل كل الملفات اللبنانية، الاقتصادية والمالية، والمساعدات والتحقيقات. وحيال هذا التطور يغدو تشكيل الحكومة مسألة بسيطة في ظل الأزمة اللبنانية الأعمق والمتعددة الجذور.

وتتجاذب اللبنانيين طروحات متناقضة حول الحكومة العتيدة، وهم بين خيارين: إما حكومة الحياد وفق الطرح الأميركي، أو إمكان تصرف ماكرون بناءً على معطيات تنطوي على غض الأميركيين النظر عن تشكيل حكومة، تتمثل فيها القوى السياسية بشكل غير فظ، فيما يكون التركيز على برنامجها ومهمتها.