السبيل العادل إلى خفض النفقات

الأخبار |

تأثرت سياسات الإنفاق العام تاريخياً بتطوّر تركيبة السلطة السياسية وتوازناتها، والتي يمكن إيجازها بثلاث مراحل: قبل الحرب، لجأت البورجوازية اللبنانية، كي تمارس سيطرتها الطبقية، إلى توسيط ما سُمّي «الإقطاع السياسي» في مقابل إشراكه في المنافع والخيرات، وكان وزن المكوّن الريعي في البورجوازية محدوداً نسبياً آنذاك. خلال الحرب، تراجع دور «الإقطاع السياسي»، وتكيّفت البورجوازية مع قوى الأمر الواقع، التي أمعنت في تقطيع أوصال الدولة واغتنت من تحكّمها بمصادر تمويل الحرب. بعد انتهاء الحرب، نشأ زواج كاثوليكي بين البورجوازية وهؤلاء اللاعبين الجدد الذين أدخلهم اتفاق الطائف إلى الدولة، وسط تنامي المكوّن الريعي بفعل ظهور العجز والدين العام وتفاقمهما، وازدياد دور المموّل/ الراعي الخارجي، واتساع تأثيرات الهجرة الخارجية وصدمات أسعار النفط.

لقد ساهم تعاقب هذه الحقبات الثلاث في إعادة صياغة البنية الداخلية للبورجوازية وآليات التراكم الرأسمالي فيها، وانعكس بأشكال معقّدة على السياسات الاقتصادية عموماً، وعلى مسار تطوّر الإنفاق العام بالتحديد. وخلال الحقبة الأخيرة، تمخّضت تداعيات النمط الاقتصادي الريعي عن تحوّلات عميقة في بنية الإنفاق العام وأبرزها:

• ارتفاع غير مسيطر عليه في الإنفاق العام الجاري، بعد ترسّخ آليات المحاصصة والهدر والفساد في صفوف أطراف الحكم.

• احتلال عجز قطاع الكهرباء موقع الصدارة في الإنفاق العام، نظراً إلى اعتبارات مصلحية وزبائنية واحتكارية تتمثّل باستيراد الفيول والمشتقّات البترولية، وانتشار وتعميم استيراد واستهلاك المولّدات، فضلاً عن العراقيل المصطنعة التي اعترت أعمال التحقّق والفوترة والجباية، وترافقت مع هدر تقني وسياسي كبير.

• استسهال اللجوء إلى تمويل جزء متزايد من الإنفاق الجاري عبر الاقتراض، كرافعة لنموذج اقتصادي ريعي يشجّع على استقطاب التحويلات ورؤوس الأموال والودائع من الخارج لتمويل التوسّع في الاستهلاك العام والخاص. فبلغ نصيب الفرد من الدين الحكومي أكثر من 20 ألف دولار في نهاية 2018. في حين وصلت المديونية الإجمالية للدولة والقطاع الخاص والأسر إلى 200 مليار دولار، أي أكثر من 375% من مجمل الناتج المحلّي.

• ترسّخ النظرة الدونية للاستثمار العام الرأسمالي منذ أواخر التسعينيات، حيث بلغ نحو 1% من الناتج المحلّي وأقل من 8% من إجمالي النفقات العامّة خلال أكثر من ربع قرن، ما أدّى إلى انهيار المرفق العام بالتزامن مع ارتفاع عدد المقيمين نحو مرتين خلال العقود الأربعة المنصرمة.

• التراجع التدرّجي لدور الدولة الأساسي كمنتج مباشر للخدمة العامة، واتجاهها نحو الاكتفاء بالتمويل الجزئي لهذه الخدمة التي تحوّل إنتاجها فعلياً إلى القطاع الخاص، وسط خلل فظيع في أعمال الضبط والرقابة من جانب الدولة
ما العمل؟ إن معالجة هذه المشكلات يتطلّب إجراء تعديلات جذريّة ومتزامنة في بنية الإيرادات الضريبية وبنية النفقات العامة في آن معاً. وبالإضافة إلى ما عرضه الدكتور جورج قرم، أشير إلى مسألتين مكمّلتين: أوّلاً، ضرورة فرض ضريبة تصاعدية على فوائد الودائع المصرفية، في بلد يستحوذ فيه 1% من مجمل الحسابات المصرفية على 52% من مجمل الودائع، مع ما يتطلّبه ذلك من تعديلات على قانون السرّية المصرفية بغية تجميع حسابات الشخص الواحد المتعدّدة في حساب واحد، الأمر الذي يوفّر للدولة دخلاً إضافياً لا يقلّ عن مليار دولار؛ ثانياً، ضرورة التفاوض الجادّ والمسؤول مع المصارف حول اقتطاع استثنائي لنسبة وازنة من أرباحها لفترة تتراوح بين 3 و5 سنوات، بما يعزّز فرص تجنّب الانهيار المالي والاقتصادي (فرضيات «قصّ الشعر»)، ويخدم فعلياً ليس فقط استقرار البلد، بل كذلك مصلحة المصارف في المدى المتوسّط والبعيد.

أمّا في مجال إعادة هيكلة النفقات العامّة، فإن رزمة إجراءات يجب أن توضع موضع التنفيذ، وأبرزها:

• الشروع فوراً في حلّ مشكلة قطاع الكهرباء عبر جدول زمني صارم يشمل تأهيل وتشييد المصانع، وتأمين الاستقلالية الإدارية والمالية لمؤسّسة الكهرباء واستكمال جهازها البشري (50% وظائف شاغرة)، والالتزام بمعالجة الهدر التقني وغير التقني، وتحسين الجباية ووقف التعدّيات على الشبكة، واعتماد تعرفة تصاعدية دعماً للفئات المحتاجة وبالتزامن مع ازدياد ساعات التغذية. 

• إلغاء تعويضات الرؤساء والنواب السابقين، وتقليص مخصّصات وتعويضات النواب والوزراء الحاليين، بما في ذلك التقديمات التي يستفيدون منها. وإعادة النظر في أجور موظّفي الفئتين الأولى والثانية في المصالح المستقّلة والمؤسّسات العامة ومصرف لبنان وكبار الضباط، خصوصاً أن رواتب وتعويضات هذه الفئة من العاملين باتت تتراوح بين 20 و75 ضعف الحدّ الأدنى للأجور، في مقابل سقف أعلى لا يتجاوز 9 أضعاف في بلدان الاتحاد الأوروبي. وكذلك ضبط (بل إلغاء) الزيادات السنوية التي تجريها بعض المصالح المستقلّة والمؤسّسات العامة على أجور العاملين فيها، وما يرافقها من تعويضات استثنائية وامتيازات، فضلاً عن حصر تطبيق التدبير رقم 3 الخاص بالقوات المسلّحة في أضيق نطاق.

• إغلاق وتصفية صندوقي الجنوب والمهجّرين وإعادة هيلكة الهيئة العليا للإغاثة وتحديد مهامها بشكل دقيق، ووضع كشف وتقييم مفصّلين لأوضاع المؤسّسات العامة المرتبطة برئاسة مجلس الوزراء، تمهيداً لاختصارها أو دمجها أو إلغائها تبعاً لمقتضيات تحقيق الفعالية الاقتصادية والحدّ من الهدر.

• حصر كلّ أنواع التوظيف في الإدارات والمؤسّسات العامة والمجالس على اختلافها بمجلس الخدمة المدنية.

• إعادة النظر في منح تعليم أبناء الموظّفين في القطاع العام (نحو 350 مليون دولار عام 2018) التي تحكمها معايير متفاوتة وفق الإدارات والأسلاك، وإلغاء التعليم الخاصّ المجاني الذي يضمّ نحو 100 ألف تلميذ لصالح دمجهم في التعليم الرسمي.

إن هذه الرزمة من الإجراءات – المطلوب تزامنها على جانبي الإيرادات الضريبية والنفقات العامة – من شأنها أن تخلق وفورات مالية للدولة تمكّنها ليس فقط من الضبط المتدرّج للعجز المالي، بل كذلك من استعادة وظائفها الأساسية خصوصاً في المجال الاجتماعي، بما يشمل توفير التغطية الصحّية الشاملة للبنانيين المقيمين وتحسين نوعية التعليم الرسمي وإنشاء نظام عادل للتقاعد في القطاع الخاص.

*كمال حمدان / اقتصادي، مدير تنفيدي في مؤسّسة البحوث والاستشارات