انفجار بيروت الكبير بين المأساة والملهاة

10 آب 2020 16:43:29

الانفجار الكبير الذي دمّر نصف مدينة بيروت، وأوقع أكثر من 158 شهيداً، وما يزيد عن 5 آلاف جريح، وعشرات المفقودين، أحدثَ ارتداداتٍ دولية وإقليمية أكبر، بما لا يقاس، من ارتداداته الداخلية، على الرغم من التجاذبات والاستقطابات التي برزت في الساعات التي تلت الكارثة الإنسانية. ذلك لأن الرواية الرسمية لأسباب الانفجار طُرحت بسرعة وتعجّل من أجل توجيه، وضبط، نتائج التحقيقات القضائية، واستخدامها في المسار السياسي الذي يذهب إلى أن الانفجار ناتجٌ عن أخطاءٍ فردية بشرية، وأنه مجرد حادثٌ عرضي لا علاقة له بأي سياقٍ سياسي– أمني في الصراع الإقليمي المشتعل في المنطقة بين المحور الأميركي- الإسرائيلي من جهة، ومحور الممانعة، إيران وأتباعها، من جهة أخرى.

قبل سنتين تقريباً هدّد أمين عام حزب الله بقصف ميناء حيفا الذي يحتوي على كمياتٍ كبيرة من الأمونيوم، إذا ما وجهت إسرائيل أي ضربة عسكرية لمرفأ بيروت بعد التهديدات التي وجهها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الى لبنان من على منصة الجمعية العمومية للأمم المتحدة، حيث اتهم حينها حزب الله باستخدام المرفأ لأغراض عسكرية، إسرائيل تعاملت مع تهديدات حزب الله بجدية، وقامت بنقل المواد المتفجرة إلى صحراء النقب، فيما لم تبادر السلطة اللبنانية وقواها الأمنية إلى تنظيف مرفأ بيروت من أي مخاطر ممكنة، فيما الوقائع كشفت ان تفريغ حمولة الأمونيوم في المرفأ حصل عام 2014.

وكان لافتا غياب كلمة إسرائيل عن خطاب الأمين العام لحزب الله، وتشديده على مقولة إنه "لا يعرف، وليس له علاقة بالمرفأ، لا من قريب ولا من بعيد، لا اليوم ولا الأمس ولا غداً". وهذا يتنافى مع ما كشفته الوقائع، وما قاله العديد من المسؤولين في المرفأ.

الرواية الرسمية التي تضع التفجير في خانة الإهمال الإداري، تخدم العهد وتوفر له إمكانية استثمار الحدث داخلياً، وإقليمياً، ودولياً، وضمان استمرار بقاء العهد إلى آخر لحظة دستورية متاحة. فعندما أطلقت جماعة العهد روايتها عن أسباب الانفجار بصفته حادثاً عرضياً، أكدت حقيقة سياسية أن فساد النظام السياسي الحالي العميق، هو بحجم كارثة الانفجار الكبير، وهذا ما يقوله الشعب اللبناني اليوم عبر شهاداته الموثّقة في الوسائل الإعلامية كافة، إضافة الى ما كشفته الوثائق من فوضى عارمة تتحكم بإدارة الدولة لواحد من أهم وأكبر المرافق الحيوية في لبنان.

الروايات الأخرى لأسباب الانفجار الكبير متعددة القراءات في الإعلام الدولي، والعربي، والإسرائيلي. لكنها في مجملها مبنية على عامل مشترك مرتبط في سياق الصراع المحتدم بين المحورَين الأميركي – الإيراني وانعكاسه على الساحة اللبنانية، ودراسة أثره المباشر والبعيد. لذلك كانت ارتدادات الحدث في الأروقة الدولية والإقليمية تتوافق وحجم الإنفجار وآثاره التدميرية، وليست على مقاس الرواية الرسمية، والجهات السياسية الحاضنة لها، وهذه الارتدادات تفسر حضور الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على عجل إلى لبنان بمبادرته الإنسانية- السياسية التي ظهرت في حركته الميدانية وسلوكه المدروس أكثر من أقواله المحسوبة، وتفسر حجم التضامن الدولي والمساعدات الانسانية التي قدمتها تلك الدول.

في الوقت نفسه يمكن ملاحظة أن العامل المشترك في الروايات المضادة يخترق بقوة الرواية الرسمية اللبنانية، كما يظلّل خطاب الأمين العام لحزب الله، لأن مضمون الخطاب ذهب إلى أقصى درجات النأي بالنفس عن الحدث الكبير لدرجة أنه دعا لتحقيقٍ ينجزه أي قاضٍ محلي يحاسب بموجبه حفنة من الموظفين المقصرين، ويودعهم السجن، وتغلق القضية، على خلاف ما تطالب به الأكثرية الساحقة من اللبنانيين من احراء تحقيق دولي لكشف حقيقة هذا الانفجار واسبابه.

لكن يبقى السؤال الجوهري: إلى أين يسير لبنان بعد الانفجار الكبير؟

في خلاصة كلام الرئيس الفرنسي تكمن عبارة مسموعةٌ بهمس، وتفيد أن نجاة لبنان من الحرب الإسرائيلية المحتملة على حزب الله لن تتم من دون التقدّم الرسمي اللبناني على عدة محاور: إنسانية- سياسية- أمنية- اقتصادية- إدارية. ومن دون رؤية شاملة لمعالجة القضايا التي يئنّ تحت وطأتها اللبنانيّون، والتي تسبّبت بنصف الدَّين العام، وعلى رأسها أزمة الكهرباء، والتهريب، والفساد المستشري في المؤسّسات والإدارة، إضافة إلى الجمارك والحدود المفتوحة، وتفلّت السلاح، فلا يمكن لسياسة النأي بالنفس التي طُرحت في لبنان ولم تنفّذ في حينها، أن تنقذ لبنان اليوم من الصراع الدولي- الإقليمي الأميركي – الإيراني، والتي يشكّل حزب الله أحد أذرعها القوية، ما لم يبادر الحزب والدولة اللبنانية إلى اعتماد نظرية الحياد، وإعادة النظر في ارتباطات الحزب الخارجية.

أمام ذلك يمكن القول إننا إزاء احتمالَين:

الأول تسمح به اللحظة الراهنة حيث أن الانفجار الكبير فتحَ مساراً دولياً- إقليمياً جديداً للمعالجة الشاملة. لكن هذا المسار ليس فكاً للحصار، كما اعتقدَ وصرّح الرئيس ميشال عون، فلهذا المسار شروط ربما تكون أكبر مما قاله ماكرون في بيروت. وهذا يعني أن الملفات التي تحتاج إلى تسويات عاجلة تبدأ بترسيم الحدود البحرية والبرية، والسيطرة على قرار الحرب والسلم، وصولاً إلى إعادة بناء إدارة جديدة للدولة اللبنانية. وهذا ما طرحه رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي، وليد جنبلاط، في مؤتمره الصحفي، والذي يتلاقى مع مطالب الشعب اللبناني الذي يئس من هذه السلطة المتحكمة بالبلاد منذ اتفاق الدوحة في أيار 2008. وهذا يطرح بدوره السؤال الصعب على حزب اللّه وحلفائه: كيف يمكنهم الاستجابة لهذا المسار، حيث لم تصدر حتى الآن أي إشارة إيجابية في هذا الاتجاه، على الرغم مما يُنشر أحياناً بأن ملف ترسيم الحدود البحرية يتقدم، أو يحتاج في الأروقة السرية التي تفاوض حوله بصفته ملفاً مفتاحياً في تقرير مصير ملفات أخرى ومنها السلاح الاستراتيجي لحزب الله!!

كما أن المسار الدولي- الإقليمي الجديد الذي يمكن الرهان عليه لا يختزل من حساباته استمرار طهران في التأرجح بين سياسة المهادنة وسياسة التصعيد في صراعها المستمر مع واشنطن، وفي إصرارها المعلن والملموس للحفاظ على وزنها العسكري والسياسي في سوريا، بعد كل الضربات التي توجّهها لها إسرائيل هناك. لذلك أشار الرئيس الفرنسي إلى استعداده للحديث مع إيران إذا ما أقدم اللبنانيّون على فعل شيء، وهنا قصد تحالف عون- نصر الله.

أمّا الاحتمال الثاني فهو إجهاض المسار الدولي- الإقليمي الجدّي، واعتماد الحزب والعهد سياسة التهدئة والمهادنة وكسب الوقت، وإنتاج وقائع جديدة تسمح بتجاوز عناصر اللحظة الراهنة، وذلك وفقَ ما طرحه رئيس الحكومة حسان دياب في خطابه أمس عن مهلة شهرين للاتفاق، والدعوة إلى انتخاباتٍ نيابية مبكرة، والالتفاف التدريجي على مجمل المعطيات الحالية في انتظار نتائج الانتخابات الأميركية القادمة. وبعبارةٍ أخرى إعادة إنتاج سياسة "الصبر الاستراتيجي" الإيرانية، لكن على المقاس اللبناني، وبالمعايير المحلية.
هذا الاحتمال إذا اعتُمد من الحزب والعهد معاً، فإن نتيجته لن تكون إلّا تضخيم المأساة، وانفجار الداخل اللبناني. وهذا المسار هو بمثابة مشروع انتحاريٍ ينطوي على إنهاء لبنان، وإلغاء وجوده، بالتزامن مع مئوية تأسيسه الأولى، وذلك من أجل حساباتٍ غير لبنانية.

حذارِ من استكمال السير في مغامرة إغراق لبنان في بحرٍ من الدماء، بعد أن أغرقهم الانفجار الكبير يوم 4 آب في الركام والدمار.