"شطف" الفساد من أعلى الدرج إلى "البالوعة"!

عزت صافي |

على مدى ثلاثة أيام، وثلاث سهرات طويلة أمام التلفزيون، و24 ساعة مداخلات، 54 نائباً تناوبوا على المنبر تحت قبة البرلمان، إنتهت جلسات الثقة بالحكومة الجديدة إلى نتائح ثلاث: 111 نائباً: ثقة – ستة نواب: لا ثقة – 11 نائباً: غياب...

حدث ذلك أيام 13 و14 و15 شباط الحالي.

كانت الخطب مدروسة، وقد تراوحت بين البلاغة والحدة، والنقد، و "البين بين" على سبيل إثبات الوجود والظهور على شاشة التلفزيون، وبعضها ذهب إلى التحدي ورفع الصوت إلى اعلى درجة لإستفزاز مطرقة ضابط الإيقاع الرئيس نبيه برّي الخبير بالدواعي والقصد من وراء الحدة ونبرة الغضب.

في تلك الجلسات النيابية فُتح جرح قديم معشش في خلايا الدولة منذ ما قبل عهد الاستقلال وما بعده، وقد إستفحل وإزداد خطورة...

إنه الفساد: علة الوظيفة، علة الإدارة، علة السياسة، علة الحكم، علة الدولة، وعلة الأجيال الطالعة التي تجد نفسها أمام وحش مقنّع بمختلف الوجوه، والاسماء، والالقاب، والاختصاصات، واللغات...

إنه العنوان الذي يبدأ به كل عهد، ثم يغرق فيه، وهو القضية التي تبدأ بها كل كتلة معارضة في مجلس النواب لتلاقي الكتل والأحزاب والنقابات والهيئات الشعبية في الشارع وفي الاوساط الطلابية ضمن العاصمة وسائر المناطق.

ولعل العلامة التي تميز بها الرئيس الجنرال ميشال عون في بداية عهده هي تلك الجملة المفيدة التي أطلقها باعلانه ان "شطف الدرج يبدأ من  فوق"، أي أن الإصلاح المبني على أسس الشفافية والقوانين والوقائع وروح الدستور، يبدأ من الرأس، اي من مجموعة الرؤوس في السلطة الإدارية، ثم نزولاً، درجة، درجة، حتى "البالوعة" في أسفل الهرم.

لكن الزمن، والوقائع، والنتائج، حتى اليوم، تعلن أن العهد دخل سنته الثالثة، وما يزال "مهرجان مكافحة الفساد" يستقطب الخطباء، والدعاة الذين يؤكدون ان العهد لن يخل بالوعد، وسوف يثبت أنه أهل للوفاء.

ولكن، أيضاً، الوقائع تؤكد أن الإدارة العامة ما تزال على حالها، وأن أرقام العجز والدين العام تخطت المئة مليار دولار، وفوق ذلك إستقطبت الإدارة العامة، بمختلف إختصاصاتها، نحو خمسة آلاف وخمس مئة موظف جديد، على ما يقول المطلعون وينشرون.

في بلاد المطر، والثلج، والشمس، والبحر، والانهر، والربوع يعطش اللبنانيون للماء النقي، ويتلمسون في العتمة علبة الكبريت لإضاءة شمعة!.