"سياحة" ما بعد النكبة.. المواطنون تدفّقوا إلى بيروت

09 آب 2020 22:48:00 - آخر تحديث: 04 أيلول 2020 17:09:41

كأنّها "سياحة" ما بعد النكبة. هذا القول، يمكن قراءته في عيون الوافدين تطوعًا من خارج بيروت، لمساندة سكانها في محو بعض آثار دمارها. حتمًا، ما قبل 4 آب 2020 ليس كما بعده، لا بالنسبة لأهالي العاصمة ولا لكل اللبنانيين من خارجها. إنّه يوم للتاريخ لم يصحُ أحد بعد من هول صدمته. وكأن كل ما حدث قبله، من انتفاضة 17 تشرين 2019 وما تبعها، كان مجرد "مقبلات" أو ربما "مسكنات" لذلك الانفجار الكبير. 


كواجب العزاء
في الأيام المعدودة التي تبعت انفجار المرفأ، زحف الآلاف إلى المدينة، من الشمال والجنوب والبقاع والجبل، مشمرّين عن سواعدهم وحاملين رفوشهم، تعبيرًا عن اندفاعهم في مساعدة أهالي بيروت، ولدعمهم بمصابهم الأليم، بعد أن سقط ضحية الانفجار، حتى الآن، 158 شهيدًا وأكثر من 6 آلاف جريح وعشرات المفقودين. لكن جميع هؤلاء أيضًا، جاءوا لمعاينة بيروت، ولتفقد حجرها وشوارعها وأزقتها التي أضحت دمارًا. 

رحلة السير على الأقدام، من محيط المرفأ والكرنتينا إلى الجميزة ومار مخايل والأشرفية، تكشف حجم الدمار الذي حوّل بيروت إلى "بقايا عاصمة" في عيون زوارها ومن أحبّها. للوهلة الأولى، أدركت سريعًا أنه "لن تعرف قدر حبّك لبيروت إلا حين تذهب إليها ولا تجدها".  

تسأل إحدى السيدات  واحدة أخرى تجول معها مستتكرةً: "يا عمي وينيه بيروت؟"، وكأنهما في رحلة تقديم واجب العزاء، ليس لذوي الضحايا فحسب، وإنّما للمدينة أيضًا، ككيانٍ قائمٍ بذاته.  

شابات وشباب عكار وطرابلس
في الجميزة، أفواج من شباب وشابات عكار وطرابلس جاؤوا سويًا في باصات من الشمال، للتطوع في أعمال رفع الردم ومسح الأضرار. قال محمد (23 عامًا): "بيروت لنا جميعًا، ولقد كسرت قلوبنا في هذا المشهد. فجئنا لأننا لم نعد نقوى على البقاء في المنزل مكتوفي الأيادي، ونريد أن نفعل كل ما بوسعنا لنعبر عن تضامننا ووفائنا لبيروت وأهلها".  

ووسط هذا الاندفاع، يتلقف شباب وشابات بيروت الأيادي الممدودة لهم بامتنانٍ، وأحيانًا ببسمة رغم كلّ الأحزان البادية على وجوههم. ميرا القاضي (20 عامًا)، طالبة جامعية من سكان بيروت، قالت لـ"المدن": "هذا الدعم الكبير يبلسم بعضًا من جراحنا في بيروت وهي كانت مدينة الحب والفرح، لأن جرحنا واحد من هذه السلطة التي قررت أن تفجّر بيروت بلحظة، من دون أن يبقى شيء من معالمها". وصديقتها الجامعية كارين إدريس (23 عامًا) التي تشارك معها في أعمال التطوع، تتابع بغصّةٍ القول: "لا يوجد كلمات تعبر عن مأساتنا، هناك من قرر أن يقضي على ذكريتنا في كل زاوية من زوايا بيروت، نشعر بالعجز أحيانًا، ثمّ نقرر فجأة أن نفجر غضبنا بمقاومة هذا اليأس وعدم الاستسلام عبر النزول إلى الشارع".  

الذاكرة والغضب
لبيروت في أذهان زوارها من مناطق أخرى، ذكريات كثيرة داخل أحيائها التراثية وفي مقاهيها وحاناتها وأماكن سهرها وعند مينائها. في شارع مار مخايل، يجول طارق بشاشة (49 عامًا)، وهو أستاذ مسرحي جاء من مدينته صيدا إلى بيروت من اليوم التالي لوقوع الانفجار، قال لـ"المدن: "لقد تعودت أن أكون على الأرض بعد كل كارثة تصيب لبنان، لكن ما حدث أخيرًا، لا يسمح لأحد أن يبقى في منزله بعد أن تطاولت السلطة علينا لهذا الحد، والجميزة في ذاكرتي هي المنطقة التي نسهر بها، وبعد الحرب أصبحت أحياؤها تتكون في مشاهد ذاكرتنا، وفي أفراحنا وكل مسار حياتنا".  

ما بين 4 آب و8 آب، حدّ فاصل آخر في غضب الشعب، الذي انفجر بلحظة واحدة في شوارع بيروت ضدّ اجرام سلطة تواطأت في "إبادة" شعبها، فعلقوا المشانق الرمزية واقتحموا الوزارات وصدحوا ضد أركان تلك السلطة وأحرقوا صورهم. ولهذا الانفجار مواجعه.على بعد أمتار من طارق، تمشي كاتيا حداد (64 عامًا) على رأس مجموعة من مختلف المناطق، قالت: "عشت حرب أسرائيل وحرب الـ 15 عامًا، وجميعها لا يوازي حجم الرعب الذي عشناه في انفجار 4 آب، والإجرام الذي ارتكبته السلطة بحقنا هو تاريخي، وقد فجرت غضبنا والقهر الذي نشعره بعد أن دمروا منازلنا وأرزاقنا في مدينتنا". ثم توجهت للسلطة برسالة قائلة: "الله لا يوفقكم على ما فعلتوه بنا، كنا ننتظر الضربات من الخارج فجاءت منكم قاضية، وحان وقت الانتقام منكم".