"فاسد" لا تعالج!

بسام سامي ضو |

انفضّت "سيمفونية" جلسات مجلس النواب لمناقشة البيان الوزاري عن تنافس العازفين والمنشدين والمايسترو والكومبارس على إبراز "شراستهم" في التصميم على محاربة الفساد، هذا الكيان الهيولي الذي لا يُعرف منه سوى اسمه! بالرغم من انتشاره السرطاني في كل مؤسسات الدولة ومفاصل حياتنا اليومية، وتصميم الخطباء على محاكمة الفاسدين الذي بدوا أشباحاً لا شكل لهم ولا اسم ولا منصب ولا عنوان، بالرغم من أن الجميع يكاد يسميهم، فيما جمهور "الشعب" يتابع الجلسات بحماسة، ليس انتظاراً لمعجزةٍ مستحيلة، بل ترقباً لخطأ خطابي، أو هفوة كلامية، أو شجار لفظي، أو شتائم متبادلة أو حتى عراك بالأيدي أو بتطاير أكواب الماء بين الكتل النيابية المتناحرة، لعله بذلك يحظى بسلوى تكسر رتابة الإحباط اليومي الذي يعيشه منذ عقود .. أما الجوهر، أي محاربة الفساد، فمعزوفة مكررة ووعود ممجوجة، ولا أحد يصدّق فيها أحداً.
كيف يمكننا أن نكون جديين، أو نتوقع جدية في محاربة الفاسدين، ونحن نعيش وسط منظومة فساد تبدأ من المواطن الذي لا يرى بأساً في رشوة موظف في دائرة رسمية لتسريع معاملته، أو الاستعانة بسعادة نائب ليطلب من شرطي عدم تسطير مخالفة في حقه، أو بمعالي وزير لتسوية وضعٍ مخالف! في هذه السلسلة يعتبر النائب أنه "بيّض وجهه" مع ناخب، وضمَنَ بذلك صوته وأصوات أسرته للدورة المقبلة، ويرى الشرطي أنه "بيّض وجهه" مع النائب الذي سيساعده في طلب نقله من منطقة إلى أخرى، أو دعم ترقيته، ويفرح الوزير لأنه كسب صوتاً داعماً له في المجلس النيابي، معتبراً أيضاً أنه قام بـ "واجبه الوطني" تجاه أبناء طائفته ومذهبه، مستنداً في ذلك إلى مقولة "ما حدا أحسن من حدا".
كيف يمكننا أن نكون جديين في محاربة الفساد، ما دام فاسدون هنا مطمئنين إلى أن فاسدين هناك لن يفكروا في طلب محاسبتهم، والعكس صحيح، ذلك أن منظومة الفساد قائمة أيضاً على قاعدة 6 و6 مكرر، وما دامت هيئات الرقابة مشلولة وقراراتها مقيّدة بمرجعيات دعمت تعيين المسؤولين فيها.
كيف يمكننا محاكمة أو حتى محاسبة فاسد يلجأ إلى مرجعيته الطائفية ويتلطى بعباءتها- للأسف- فتصير مساءلته استهدافاً لطائفته، وعندها "يا غيرة الدين"!
كيف نحارب الفساد وكل واحد منا يكتفي بالشكوى وبإحصاء المليارات المهدورة في عدم توفير الكهرباء، وفي النفايات وصفقات المطامر والمحارق، وفي التوظيفات المخالفة للقوانين، وفي البيئة وملوثيها والمتاجرين بما تبقى من جبال وأنهر وأشجار، وفي الأملاك البحرية المستباحة، ويصمت عن كل ذلك.
إنها حلقة فساد مترابطة متراصة، تبدو عصية على التفكيك، وتذكّر بمقولة "فالج لا تعالج"، لكن مبتداها ومنتهاها هو "المواطن"، الذي بيده وحده كسر سلسلتها، لأن صمته يشجع الفاسدين على ارتكاب المزيد، على حساب حياته ومستقبل أولاده. 

* صحافي لبناني- دبي