كارثة 4 آب نتاج أزمة دولة رهينة؟

08 آب 2020 21:00:00 - آخر تحديث: 07 أيلول 2020 13:47:53

لم يكن مخطئًا من وصف بيروت بعد انفجار الرابع من آب بما يشبه هيروشيما صباح السادس من آب عام 1945، ولكن تخلي الامبراطور الياباني آنذاك عن العرش، لم يقابله بعد الرابع من آب في بلدنا المتفلت من كل قيد وحساب، استقالة أو تنحي مسؤول أو وزير أو موظف، الامر الذي يفسر انهيار سلم القيم والمبادئ وانعدام تحمل المسؤولية.

لا أعتقد أن 9 آب نهاية فترة الخمسة أيام التي أعطىيت للجنة التحقيق لتحديد المسؤوليات وكشف الأسباب التي أدت إلى هذه الكارثة، سيشبه الخامس عشر من آب من العام 1945 في اليابان، بل يسود الاعتقاد بأننا سنستمر بالانحدار السريع نحو الهاوية، لأن الكارثة التي حلت بلبنان عمومًا وبيروت خصوصاً هي حصيلة أزمات متعددة ?، أياً تكن نتائج التحقيق (هذا إن توصلوا إلى نتائج)، إهمالًا كان أم اعتداءً متعدد الأهداف والرسائل. لذلك، فإن كارثة 4 آب هي أزمة دولة تخلت عن قرار السلم والحرب وفقدت سيادتها على معابرها البرية والبحرية والجوية، دولة تنازلت عن سياستها الدفاعية وتم العبث بسياستها الخارجية، فبات لبنان العربي الهوية والجسر بين الشرق والغرب، معزولًا عن محيطه الطبيعي وعن المجتمع الدولي؛ هي أيضاً أزمة دولة أصبحت رهينة لمشروع يستهدف الأمن القومي العربي والنظام الإقليمي العربي برمته، دولة يجري تسخير مؤسساتها ومقدرات شعبها لخدمة مشروع يتناقض مع مبادئ الجمهورية ودور لبنان التاريخي ومع ثقافة شعبه وتطلعاته في التقدم والتطور، مشروع، يتناقض مع اقتصاده الحر الذي بدأ الانقضاض عليه ومحاصرته في مرحلة الانتداب السوري، ومنذ أشهر شهدنا خططًا لتغيير وجه لبنان الاقتصادي وقرارات للتوجه شرقًا، وكأن تدمير مرفأ بيروت في 4 آب أياً تكن أسباب حصوله، حادث عرضي جراء الإهمال أو اعتداء مدبر ما ذكرنا، جاء ليلاقي هذه الخطط التي اجتهدت للإطاحة بكل مقومات وإنجازات مرحلة إعادة إعمار لبنان ووسطه التجاري؛

كارثة 4 آب هي أزمة نظام سياسي فقد شرعيته، أزمة نخبة سياسية أطاحت بإنجازات النخبة التي قادت الجمهورية الأولى لاسيما إنجازات العهد الشهابي، أزمة نظام بات دستوره وجهة نظر و سقطت فيه كل مبادئ المحاسبة والمساءلة، أزمة مؤسسات دستورية تعيش بعزلة عن الشعب الذي يشكل مصدر السلطات، أزمة نظام فقد ثقة شعبه وبات رئيس دولة صديقة يتجول بكل ثقة بين اللبنانيين المحتجين ليستمع إلى شكواهم ويعطيهم الأمل بالصمود، فيما مسؤولو الدولة كل في مقره أو بيته غير قادر على مواجهة الناس والتحدث اليهم.

كارثة 4 آب هي أزمة قضاء فقد استقلاليته، وأدخل في لعبة موازين القوى، ولم يفرج عن التشكيلات التي أعدها مجلسه العدلي تحت حجج واهية، سئم اللبنانيون من سماعها وتردادها على لسان المسؤولين؛ كارثة 4 آب هي أزمة أجهزة أمنية ضاعت فيها قواعد تولي المسؤوليات والترقي وتم ضبط ايقاعها بما لا يتفق أحياناً مع المصالح العليا للدولة؛ كارثة 4 آب هي أزمة إدارة غير منتجة وضاعت فيها الخدمة العامة التي يفترض أن تكون حيادية بين زواريب السياسة، أزمة إدارة سقطت فيها كل أسس المحاسبة والمساءلة وعم الفساد مختلف مصالحها ودوائرها؛ كارثة 4 آب أزمة أجهزة التفتيش المحاصرة بالحمايات والإرادات السياسية التي عطلت دورها في الكثير من الملفات؛ كارثة 4 آب هي أزمة حكم صارت فيه الدولة في خدمة مشروع لا يشبه الدولة ولا يعبر عن مصالحها العليا، هي أيضاً أزمة حكومة غارقة بإنجازات وهمية ومنقطعة عن الواقع وعاجزة عن القيام باية إصلاحات لا في قطاع الكهرباء ولا في غيره من القطاعات؛ حكومة فشلت في تأمين الخدمات الرئيسية للمواطنين من كهرباء وماء ونفايات وطرقات واتصالات؛ حكومة فقدت وبسرعة قياسية ثقة غالبية اللبنانيين.

كارثة 4 آب جاءت لتعمق الأزمة الاقتصادية التي قضت على الطبقة المتوسطة وبات اللبنانيون محاصرين بين سندان رأسمالية متوحشة، ومصارف تفرض القيود على ودائعهم دون أي مسوغ قانوني، ومطرقة الممانعة التي تبدو سعيدة في رؤية المفاوضين اللبنانيين الذين يجتهدون بالقضاء على فرص التفاوض مع صندوق النقد الدولي وتهيئة ظروف الانتقال إلى الشرق كمقدمة لتغيير هوية لبنان الاقتصادية والثقافية؛

وأخيراً، وبغض النظر عن نتائج التحقيق الذي لا يؤمن به غالبية اللبنانيين، ربما تكون كارثة 4 آب كل هذه الأزمات مضافاً إليها أزمة ممانعة أصبح مشروعها متخماً بالشيكات التي تفتقد إلى الأرصدة، مشروع، باتت أفكاره وقيمه وأدواته وأساليبه من عالم مضى.

على أي حال، كنا ننتظر بعد هذه الكارثة ويا للأسف، قرارات بمستوى حجمها وتداعياتها، ولكن جاءت زيارة الرئيس الفرنسي لحث المسؤولين في الدولة على هذا المستوى من القرارات، وأهمها ما قاله بصراحة متناهية "ان لبنان بحاجة إلى نظام سياسي جديد والى إصلاحات جوهرية والى حل مشكلاته الاقتصادية من خلال الأمم المتحدة وصندوق النقد الدولي، وكذلك الحاجة إلى تحقيق دولي يكشف ملابسات الكارثة التي حصلت"؛

هل يسمع المسؤولون النداء الأخير من رئيس دولة صديقة، فتفتح الطريق نحو الإصلاحات الجذرية وفي مقدمها بناء نظام سياسي جديد قائم على المواطنة وانتخابات نيابية مبكرة تعيد تشكيل السلطات الدستورية واستعادة الدولة لقرارها المستقل؟ أم ستستمر الغلبة لخيار الهويات والمشاريع القاتلة؟ الأيام والأشهر القادمة كفيلة بتقديم الأجوبة.